إن الأصل في العبادات والتقرب إلى الله تعالى هو التوقيف والاتباع، لا الاختراع والابتداع. ومحبة النبي ﷺ هي ركن الإيمان وأصل الدين، ولكن هذه المحبة لا تترجم إلا بمتابعته ﷺ والسير على نهجه ونهج أصحابه الكرام. ومن المحدثات التي طرأت على الأمة الاحتفال بيوم مولده ﷺ، وهو أمر يفتقر إلى الدليل الشرعي والأثري.
أولاً: الأدلة الحتمية على عدم مشروعية الاحتفال (أدلة البطلان)
يستند القول بعدم مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي إلى حُجج أثرية وعقلية قاطعة، تتلخص في خمسة أدلة رئيسية:
1- الترْك النبوي وإقرار السنة
عاش النبي ﷺ بعد بعثته ثلاثاً وعشرين سنة، مرّ عليه فيها يوم مولده ثلاثاً وعشرين مرة. لم يثبت في حديث واحد (صحيح أو ضعيف) أنه جمع الصحابة، أو أمرهم باحتفال، أو أقام وليمة، أو خصّ ذلك اليوم بعبادة تختلف عن سائر الأيام سوى صيام يوم الاثنين كأصل عام في الأسبوع.
2- إجماع الصحابة والقرون المفضلة على الترك
توفي النبي ﷺ وخلفه أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي رضي الله عنهم. ثم جاء عصر التابعين وتابعيهم، والأئمة الأربعة (أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد). لم يقم أحد منهم قط بصنع هذا الاحتفال. والقول بمشروعية المولد يترتب عليه لوازم باطلة، منها: أن يكون هؤلاء الأعلام قد جهلوا خيراً أو قصروا في محبة النبي ﷺ حتى جاء المتأخرون فاستدركوا عليهم.
3- المنشأ التاريخي المرفوض
أجمع المؤرخون (مثل المقريزي، وابن كثير، والذهبي) على أن أول من أحدث الاحتفال بالمولد النبوي هم الدولة العبيدية (الفاطمية) في مصر في القرن الرابع الهجري. وقد أحدثوا ستة مواليد (المولد النبوي، مولد علي، فاطمة، الحسن، الحسين، ومولد الخليفة الحاضر). وبناء الدين على ما أحدثته فرق انحرفت عن جادة السنة هو مسلك باطل.
4- الاضطراب التاريخي في تحديد اليوم
كما ثبت فلكياً وتاريخياً، فإن يوم 12 ربيع الأول هو يوم وفاة النبي ﷺ بيقين، بينما يوم مولده مختلف فيه على أقوال عدة (8، 9، 10، 12). فإظهار الفرح والبهجة في يوم هو في حقيقته يوم المصيبة الكبرى للأمة بموته ﷺ، انتكاس في الفطرة والشرع.
5- عموم النصوص الناهية عن المحدثات
الاحتفال يقع تحت طائلة الوعيد في قوله ﷺ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ» (رواه البخاري ومسلم)، وقيل "أمرنا" أي ديننا، والاحتفال يُفعل على أنه قربة ودين، فهو مردود.
------------------------------
ثانياً: الرد الحاسم على شبهة القياس على "صلاة التراويح"
يزعم بعض المجيزين للاحتفال أن المولد بدعة حسنة، ويشبهونه بجمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه للناس في صلاة التراويح وقوله عنها: "نعمت البدعة هذه". هذا القياس باطل من وجوه علمية قطعية:
من حيث الأصل الشرعي: صلاة التراويح (قيام رمضان) لها أصل ثابت فعله النبي ﷺ؛ حيث صلى بالصحابة جماعة في المسجد ثلاث ليالٍ، ثم تركها خشية أن تُفرض عليهم. أما الاحتفال بالمولد النبوي فليس له أصل مطلقاً، ولم يفعله النبي ﷺ لا فرداً ولا جماعة، ولا أذن فيه.
من حيث علة الترك: انتفت العلة في التراويح بوفاة النبي ﷺ وانقطاع الوحي، فمات خوف الفرضية، فأحيا عمر السُنّة المعطلة. بينما في المولد، لم تكن هناك أي علة أو مانع يمنع النبي ﷺ أو الصحابة من الاحتفال به لو كان مشروعاً.
من حيث نوع البدعة: التراويح هي بدعة لغوية فقط (إعادة تنظيم أمر كان موجوداً في الأصل)، وليست بدعة شرعية مستحدثة. أما المولد، فهو بدعة شرعية حقيقية، لأنه إحداث لواجهة عبادة وتخصيص زمان بلا دليل من الشارع.
من حيث صاحب الفعل: التراويح أحياها خليفة راشد مأمورون باتباع سنته لقوله ﷺ: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ». أما المولد، فهو من فِعل حُكّام الدولة الفاطمية في القرن الرابع الهجري.
تحرير قول عمر رضي الله عنه:
حين قال عمر "نعمت البدعة هذه"، كان يقصد البدعة بمعناها اللغوي (أي الشيء الجديد في الهيئة، وهو جمعهم على إمام واحد بعد أن كانوا يصلون أوزاعاً متفرقين)، ولم يكن يقصد البدعة الشرعية (إحداث دين جديد)، لأن أصل صلاة الجماعة في قيام رمضان شَرَعها رسول الله ﷺ بنفسه. أما المولد، فلا أصل له في اللغة ولا في الشرع يُقاس عليه.
إن البديل الشرعي للمولد النبوي هو المتابعة اليومية الدائمة؛ بصيام يومي الاثنين والخميس، وكثرة الصلاة والسلام عليه، ودراسة سيرته وتطبيقها في بيوتنا وأسواقنا طوال العام، لا في ليلة واحدة من السنة يُصنع فيها ما لم يأذن به الله ولا رسوله.