
لم تبدأ القصة بإطلاق رصاصة
بل بدأت بابتسامة
ابتسامة ظن أصحابها أنها ستمنحهم الأمان، وأن القوة الحقيقية تأتي من خلف البحار، لا من خلف الحدود
كانت الوعود كثيرة
والضمانات أكثر
حتى بدا وكأن المستقبل قد كُتب بالفعل
لكن السياسة لا تعرف الوفاء
تعرف المصالح فقط
وفي كل مرة يقرر فيها قائد أن يجعل ظهره لجيرانه، ويمنح ثقته لمن لا يشاركه الأرض ولا التاريخ، ينسى حقيقة واحدة لا تتغير
الجغرافيا لا تخون
قد تتغير الحكومات
وقد تتغير التحالفات
لكن الجار سيظل هو أول من يراك إذا اشتعلت النيران
في هذا العالم
لم تسقط الدول لأن جيوشها ضعيفة
بل لأنها اعتقدت أن هناك من سيقاتل عنها عندما يحين الوقت
كان الرهان بسيطًا
"إذا وقعت الأزمة... سيأتون."
لكن الأزمة جاءت
ولم يأتِ أحد

عندما بدأت المعارك، لم يكن أمام السودان خصم واحد
من الغرب ضغط
ومن الشمال ضغط
ومن الجنوب اشتعلت جبهة جديدة
وفجأة أصبحت الدولة تقاتل في أكثر من اتجاه، بينما كانت الوعود القديمة تختفي واحدة تلو الأخرى
وهنا يظهر الفرق بين من يبني تحالفاته على الجغرافيا
ومن يبنيها على الكلمات
فالكلمات لا توقف دبابة
ولا تعترض صاروخًا
ولا تحمي حدودًا
وفي النهاية
لم يبق إلا الخريطة
وهي وحدها من كتبت الحقيقة
لكن المدهش
أن التاريخ لا يكتفي بإعطاء الدروس مرة واحدة
دائمًا يوجد من يظن أن نهايته ستكون مختلفة
يرى المشهد كاملًا
ويرى كيف انتهى بمن سبقه
ثم يقرر أن يسير في الطريق نفسه
وكأن المشكلة لم تكن في الطريق
بل في من سبقوه فقط
وهذه هي أكثر لحظة يخدع فيها الإنسان نفسه

وفي مكان آخر
هناك من يراقب كل ما حدث
يرى الخرائط
يرى المدن
ويرى كيف انتهى الرهان الأول
ومع ذلك
لا يزال يجمع الأوراق نفسها
ويستمع إلى الوعود نفسها
ويردد الكلمات نفسها
كأن التاريخ لا يعنيه
لكن التاريخ لا يغير قوانينه
هو فقط يغير أسماء اللاعبين
ولهذا
لا يتذكر الناس دائمًا كيف بدأت الحروب
لكنهم يتذكرون جيدًا من تجاهل كل الإشارات قبل أن تبدأ
وفي النهاية
:ليس السؤال
من يملك القوة الأكبر؟
:بل السؤال الحقيقي هو
هل يستحق أي رهان أن تجعل ظهرك لجيرانك... وتعتمد على من لا يعيش على أرضك؟
لأن الخرائط
قد تتغير في ليلة واحدة
أما أخطاء السياسة
فتبقى مكتوبة لسنوات