
عزيزي أيوب
إلى أين يمضي العراق بنا، وما الذي يصنعه أتباعي بي، إنهم يفقدون حياتي بهجتها ويقودونني نحو الكآبة
قبل عدة أيام كنت راكب البطة مع أم التنانين. نتجول في أزقة الحنانة، والنسيم الحار يداعب خصلات شعرها الفضيه. يا لها من لحظة شاعرية خالصة... إلى أن زحف أتباعي من كل حدب وصوب. التفوا حول البطة كالدود، يطرقون النوافذ ويطلبون مني المراد، كأنني مزار متنقل
في تلك الزحمة، طارت الرومانسية واختنقت الكلمات. لاحظت أن الملل بدأ يتسلل إلى عيون أم التنانين الجميلة، وبنبرة خافته طلبت مني النزول. وهنا يا أيوب وقعت الكارثة
أردت أن أبدو كالفارس نبيل، فحاولت فتح باب البطة لها. شددت المقبض بكل ما أوتيت من قوة، حبست أنفاسي، احمر وجهي، وبرزت عروق جبهتي حتى كادت تنفجر، لكن الباب أبى أن يتحرك. وبينما أنا أصارع الحديد وأعرق بشدة، التفت سائق البطة ومد يده، وفتح الباب بكل بسهولة. في تلك اللحظة تمنيت أن تبتلعني شوارع الحنانة، وشعرت ان كاليسي كانت تريد ان تقول لي، سيدنا... هل هذه عضلات أم تثدي؟ لكن منعها الخجل
آه يا أيوب منذ ذلك اليوم، وانا أقسمت ألا أصعد في البطة مجدداً. لقد طوق البؤس حياتي من كل صوب، وأشعر وكأن غيوم الحزن تخنق سماء الحنانة بأكملها. حتى عندما أصعد إلى السطح ليلا لألتقط أنفاسي وأشكو همي للنجوم، أتفاجأ بحيدر البعثي جالسا هناك في الظلام، يلوث هواء الليل النقي بدخان سجائر الأوسكار الرخيصة
وفي خضم هذا البؤس، تنهال علي رسائل أتباعي، يطرقون الأبواب ويصرخون في الساحات أين أنت يا سيدنا، لماذا أنت مختف عن الأنظار؟ بماذا أجيبهم يا أيوب؟ ماذا أقول لهم غير أنني أعلنت الاعتكاف في غياهب الحنانة. لكنه ليس اعتكافا للزهد والتعبد كما يظنون، بل اعتكاف من شدة بؤسي، وتعاستي، وانهيار رجولتي أمام تلك النظرة التي قتلتني بها أم التنانين. منذ ذلك اليوم وانا أحضن الوسادة وأبكي مثل طفلة صغيرة في زاوية الغرفة، أتقلب وأتشغلب وأرمي عمامتي، أشد شعري وأصرخ تبا لي ولكم
آه يا سائق البطة، لا تتوقف دع المحرك يئن، وامض في طريقك إلى السدة، فوالله إني سأموت في مقعدي