
ثمة ساعة متأخرة من الليل، حين تخفت أصوات المدن وتغلق النوافذ عيونها، يصبح فيها الإنسان عاجزًا عن الكذب على نفسه.
هناك، بعيدًا عن ضجيج الآخرين، تسقط عنه أسماؤه الصغيرة: وظيفته، رتبته، صورته في أعين الناس، وكل تلك الألقاب التي جمعها حول اسمه كي لا يسمع الصمت الكامن خلفه.
ويبقى السؤال القديم:
ماذا يبقى من الإنسان حين يُنزَع منه كل ما أقنع الآخرين بأنه هو؟
نحن لا نخاف الموت بقدر ما نخاف أن يكون العالم قادرًا على الاستمرار من دوننا.
تلك هي الإهانة التي لا يتحدث عنها أحد.
أن تشرق الشمس في صباحٍ لن نراه.
أن تُفتح المقاهي، وتزدحم الطرق، ويضحك شخص في مكان كنا نحبه، دون أن يشعر الكون أن أحدًا قد غاب.
لهذا نبني.
ولهذا نحكم.
ولهذا نعلّق أسماءنا على الجدران ونحفرها في الحجر.
لسنا دائمًا باحثين عن المجد؛ أحيانًا نحن مجرد كائنات مذعورة تحاول أن تترك خدشًا صغيرًا على جدار الزمن، ثم تسمي ذلك خلودًا.

لكن الزمن لا يقرأ الأسماء.
إنه يمحوها.
ببطءٍ مهذب، كي لا نشعر بالإهانة دفعةً واحدة.
رأيت رجالًا يركضون نحو السلطة كما يركض الغريق نحو اليابسة. ولم يدركوا أن السلطة ليست يابسة؛ إنها بحر آخر.
كلما شرب منها الإنسان ازداد عطشًا.
يطلب المقعد، ثم يخشى فقدانه.
يطلب النفوذ، ثم يصبح أسيره.
يريد أن يأمر الآخرين، ثم يكتشف متأخرًا أن أكثر الأشياء استبدادًا به كان الشيء الذي ظن أنه يملكه.
فالسلطة لا تغيّر الإنسان دائمًا؛ أحيانًا تزيل عنه فقط ضرورة التظاهر بأنه أفضل.
ولهذا لا أحب المناصب.
أخاف على الإنسان من الأشياء التي تجعله ينسى حجمه الحقيقي.
فالوزير سيموت.
والنائب سيموت.
والملك سيموت.
أما الكرسي، بسخريته الخشبية الباردة، فسينتظر في الصباح جسدًا آخر.
ومع ذلك...
أترشح اليوم إلى الكونغرس.
ليس لأنني وجدت في السياسة معنى للحياة. ولو كان معنى الحياة مختبئًا داخل مبنى حكومي، لكانت البشرية أقل بؤسًا بكثير.
أترشح لسبب أكثر تواضعًا:
لأن المقاعد التي لا نجلس عليها نحن، سيجلس عليها آخرون.
ولأنني، إن اضطررت إلى الاختيار، أفضل رجلًا يشك في السلطة على رجل يعشقها؛ رجلًا يدخل إليها وهو يعرف باب الخروج، على آخر يدخلها معتقدًا أن الجدران بُنيت حول اسمه.
لا أطلب منكم أن تؤمنوا بي.
الإيمان كلمة كبيرة على انتخابات صغيرة.
ولا أعدكم بأنني سأغير العالم؛ فقد امتلأت المقابر برجال وعدوا بذلك، واستمر العالم بعدهم في عاداته القديمة.

إن رأيتم فيَّ صوتًا يستحق أن يكون هناك، فامنحوني أصواتكم.
وإن لم تروا، فاحتفظوا بها لمن يستحقها أكثر.
فالسلطة التي لا تصل إليّ لن تجعلني أقل شأنًا، والمنصب الذي أصل إليه لن يجعلني أكثر إنسانًا.
كل ما أريده، إن جلست يومًا على ذلك المقعد، أن أتذكر شيئًا واحدًا:
أن خلف أبواب الكونغرس بشرًا يتجادلون حول المستقبل، وخارجها بشرًا يعيشونه ويدفعون ثمن أخطائه.
وليست المأساة أن يُنسى الإنسان.
المأساة أن يقضي حياته كلها محاولًا ألّا يُنسى... فينسى أن يعيشها.
