ليست القضية، في جوهرها، قضية حزبٍ ضد حزب، ولا صراعًا بين تيارٍ سياسي وآخر، وليست محاولة لإعادة فتح جراح الماضي من أجل تصفية الحسابات. إنما هي قضية مبدأ، ومساءلة أخلاقية، وسؤال جوهري عن معنى المسؤولية السياسية، وعن الأسس التي ينبغي أن تُمنح على أساسها المناصب الحكومية في دولةٍ دفع أبناؤها أثمانًا باهظة من أجل استعادة سيادتها
بحسب الوقائع كما عشناها في هذه المرحلة من تاريخ وطننا داخل اللعبة، كانت هناك قيادة سياسية تتولى إدارة البلاد حين وقع الاستعمار. ثم، مع اشتداد الأزمة، غادر بعض أولئك الذين كانوا في مواقع القيادة، بينما وجدنا أنفسنا أمام واقعٍ جديد، نخوض المواجهة وندافع عن الوطن، ونحاول استعادة حريته بإمكاناتنا وتضحياتنا، حتى اقتربنا من تحقيق التحرير
لم تكن الطريق سهلة، ولم يكن النصر مضمونًا، ولم تكن المقاومة مجرد كلمات تُكتب في المقالات أو شعارات تُرفع في أوقات الأمان. لقد كانت، في جوهرها، مسؤوليةً يتحملها من قرروا البقاء في الميدان، ومواجهة الظروف التي فرضتها الأزمة
ثم، عندما اقترب الوطن من استعادة حريته، عاد بعض أولئك الذين غادروا، وبدأ الحديث عن المناصب الحكومية، وعن الحضور مجددًا في مراكز القرار
وهنا يبرز السؤال الذي يستحق أن يُطرح بهدوء، بعيدًا عن التخوين والتجريح، على أي أساس تُبنى المطالبة بالسلطة ؟
هل تُبنى على الكفاءة والقدرة على خدمة الوطن؟ أم على المكانة السياسية السابقة؟ وهل يكفي أن يكون المرء جزءًا من قيادةٍ كانت في السلطة قبل سقوط البلاد تحت الاستعمار، لكي يصبح له حقٌّ تلقائي في العودة إلى الحكم بعد أن يقترب الآخرون من تحقيق التحرير؟
إن المناصب العامة ليست ملكيةً خاصة، والثورات ليست استثمارات سياسية تُحصد أرباحها عند انقشاع الخطر. إنها مسؤوليات تتطلب سجلًا واضحًا، وكفاءةً حقيقية، واستعدادًا لتحمل تبعات القرارات، لا مجرد استعادة مواقع سابقة لأن الظروف تبدّلت
ومع ذلك، أود أن أوضح أمرًا لا ينبغي أن يُساء فهمه: أنا لا أعتبر كل من غادر البلاد خائنًا، ولا أحمّل حزبًا بأكمله مسؤولية كل ما جرى، ولا أرى أن الانتماء السياسي وحده يصلح دليلًا على فساد النوايا. فقد تختلف ظروف الأشخاص، وتتباين أدوارهم، ولا يصح أن نضع الجميع في حكمٍ واحد دون تمييز
إن اعتراضي لا يستهدف هويةً سياسية بعينها، وإنما يستهدف مبدأً أرفضه مهما كان مصدره: أن تتحول المناصب الحكومية إلى استحقاقات تُطالب بها النخب بحكم ماضيها السياسي، لا بحكم ما تستطيع تقديمه للوطن في حاضره ومستقبله
ولو كان الشخص الذي يطالب بهذه المناصب عضوًا في حزبي، لما تغيّر موقفي. ولو كان من أقرب حلفائي، لما منحه ذلك حصانةً من النقد. فالمبادئ التي تتبدل بتبدّل المصالح ليست مبادئ راسخة، والعدالة التي نطالب بها لخصومنا ثم نتخلى عنها حين يتعلق الأمر بأصدقائنا ليست عدالة، بل انتقائية ترتدي ثوب الفضيلة
إن الاختبار الحقيقي للانتماء السياسي لا يكون حين نتحدث عن أخطاء الآخرين، بل حين نمتلك الشجاعة للاعتراف بأخطاء من ينتمون إلينا. فالوطن أوسع من الأحزاب، والمصلحة العامة أسمى من الولاءات، والسلطة ليست جائزةً تُمنح لمن سبق له الجلوس على كرسي الحكم
وثمة جانب آخر يستحق التأمل، يتعلق ببعض الخطابات السياسية التي تتكرر فيها الإشارات إلى الدور الشخصي، وإلى المكانة الاستثنائية لصاحب الخطاب، وإلى تصوير الأحداث وكأنها تدور حوله وحده
حين يقدّم سياسي نفسه باستمرار باعتباره الشخصية المحورية في كل حدث، وصاحب الدور الأهم في كل مرحلة، فقد يتحول الخطاب من عرضٍ للوقائع والإنجازات إلى بناء رواية تتمحور حول الذات، تُهمّش أدوار الآخرين وتختزل الأحداث في حضور شخص واحد
وفي الثقافة المعاصرة، يُستخدم تعبير «متلازمة الشخصية الرئيسية» لوصف هذا النوع من التمركز حول الذات، وإن كان تعبيرًا شائعًا لا تشخيصًا نفسيًا رسميًا. لذلك، فإن نقدي هنا لا يقوم على تشخيص شخصٍ أو الحكم على حالته النفسية، بل على مساءلة خطابٍ سياسي ينبغي أن يخضع للتحليل والنقد، مثل أي خطاب آخر
فحين ينشر مسؤول سابق مقالاتٍ متكررة يبرز فيها دوره ومكانته، يصبح من المشروع أن نسأل؟ هل نحن أمام استعراضٍ لتجربة سياسية يمكن مناقشتها والتحقق من نتائجها، أم أمام روايةٍ شخصية تمنح صاحبها مساحةً أكبر مما تمنحه للوقائع وللأشخاص الذين شاركوا في صناعة الأحداث ؟
إن التاريخ لا يُكتب بصوتٍ واحد، والثورات لا يصنعها فردٌ بمفرده، وتحرير الأوطان لا يمكن اختزاله في سيرة شخصٍ مهما بلغت مكانته. فهناك دائمًا من عملوا بعيدًا عن الأضواء، ومن تحمّلوا المسؤولية حين كان ثمنها مرتفعًا، ومن ساهموا في تحقيق النتائج دون أن يطالبوا بأن تصبح أسماؤهم محور كل رواية
وليس المطلوب أن يتخلى السياسي عن الحديث عن إنجازاته، وإنما أن يدرك أن الإنجاز الشخصي، إن ثبت، لا يلغي إنجاز الآخرين، وأن التاريخ ليس منصةً دائمة لتأكيد الذات، بل مساحةٌ للمساءلة والتقييم والاعتراف المتبادل
إنني لا أطرح هذه الأسئلة للمطالبة بإقصاء أحد، ولا لتحويل الخلاف السياسي إلى عداوة شخصية، ولا لمنح طرفٍ سياسي احتكارًا لتمثيل الوطن أو الحديث باسمه
بل أطرحها لأن الدولة التي تخرج من أزمةٍ كبرى تحتاج إلى قواعد جديدة، لا إلى إعادة إنتاج الممارسات القديمة تحت أسماء مختلفة. تحتاج إلى مؤسسات تُمنح فيها المسؤوليات وفق معايير واضحة، وإلى مساءلة لا تستثني أحدًا، وإلى ثقافة سياسية تفصل بين الحق في الترشح للمنصب والحق في المطالبة به على أساس الاستحقاق
فمن حق أي شخص أن يطمح إلى خدمة بلاده، ومن حقه أن يعرض برنامجه وخبرته أمام الناس. لكن من حق المجتمع أيضًا أن يسأل عن سجله، وأن يناقش قراراته السابقة، وأن يقارن بين ما يعلنه اليوم وما تحمّله من مسؤوليات بالأمس
إن العودة إلى الوطن لا ينبغي أن تكون موضع إدانة في ذاتها، كما أن البقاء فيه لا يمنح صاحبه تلقائيًا حق الحكم. لكن حين تتقاطع المطالبة بالسلطة مع تاريخٍ من المسؤولية السياسية، ومع غيابٍ عن مرحلةٍ تحمّل فيها آخرون أعباء المواجهة، يصبح النقاش حول الاستحقاق والمحاسبة أمرًا لا يمكن تجاهله
فالمعيار العادل لا يقول إن الغائب لا يستحق أبدًا، ولا إن من بقي يستحق كل شيء، بل يقول إن أحدًا لا ينبغي أن يُعفى من المساءلة بسبب اسمه، أو حزبه، أو منصبه السابق، أو قدرته على صياغة روايةٍ تجعل منه بطل الأحداث
إن الوطن لا يحتاج إلى أشخاصٍ يطالبون بأن يُكتب التاريخ حولهم، بقدر ما يحتاج إلى أشخاصٍ يقبلون أن يُحاسَبوا على ما فعلوه، وما تركوه، وما يستطيعون تقديمه
وفي نهاية المطاف، قد تختلف الأحزاب، وتتعارض الروايات، ويتنازع السياسيون على تفسير الماضي، لكن يبقى المبدأ الذي أتمسك به واحدًا، لا خصومة مع فرد لمجرد انتمائه، ولا حصانة لشخصٍ لمجرد انتمائي إليه. فالمبدأ الذي لا يصمد أمام اختبار الولاء ليس مبدأً، بل مصلحة مؤقتة
ولعل أخطر ما يمكن أن تواجهه الثورات ليس عودة الأشخاص الذين غادروا فحسب، بل عودة العقلية نفسها التي تجعل السلطة غايةً، والمنصب استحقاقًا شخصيًا، وتضحيات الآخرين تفصيلًا هامشيًا في قصةٍ يرويها صاحبها عن نفسه
وهنا أترك سؤالًا لكل من يقرأ هذه الكلمات، بعيدًا عن أسماء الأحزاب والأشخاص
إذا كان من حق كل سياسي أن يروي التاريخ من وجهة نظره، ومن حق كل حزب أن يدافع عن إرثه، فمن الذي يضمن ألّا يتحول الوطن نفسه إلى مجرد شخصية ثانوية في رواية السياسيين عن أمجادهم ؟