يقف العالم العربي في عالم اللعبة على أعتاب مرحلة تاريخية غير مسبوقة؛ إذ إن زوال "الكيان الأزرق" — الذي ظل لعقود يمثل الصدمة العازلة والتهديد المشترك — لا يعني تلقائياً حلول السلام أو استتباب الوحدة. إن غياب التهديد الخارجي المباشر يُبرز التناقضات المكبوتة، ويُعيد فتح الجراح التاريخية إذا لم تُضبط بعقيدة جيوسياسية قومية متماسكة.
إن السؤال الجوهري ليس: "ماذا سنفعل بعد زوال الخطر؟" بل: "كيف نضمن ألا تأكل الأمة نفسها بنفسها، وكيف نمنع أن تتحول دمشق ضد القاهرة، أو عمان ضد بغداد، في ظل تقاسم الولاءات للأحلاف العالمية؟"
——————————
أولاً: معضلة "الحدود التاريخية العظمى" وأوهام الصراع الداخلي
إن الذهاب نحو خيار "تحقيق الحدود التاريخية العظمى لكل دولة" هو الوصفة الانتحارية الأكثر شؤماً. فالحدود التاريخية لكل دولة عربية هي حدود متداخلة ومتشابكة، وكل إقليم يرى في أرض جاره امتداداً شرعياً لإمبراطوريته القديمة.
إذا سعت كل دولة إلى فرض "حدودها العظمى" بالقوة:
• سينتهي المطاف بظهور كيانات متسلطة تحاول صهر شعوب مجاورة بالقوة.
• سيمتد هذا التغول الداخلي ليفجر ثورات وتمردات لا تنتهي (على غرار النموذج السوداني)، حيث تستهلك الدولة كل أوراق قوتها في إخماد تمردات أقاليمها المضمومة حديثاً، لتتحول الأمة إلى سجن واسع للثورات المستمرة.
إن تبعية الدول لرعاة وأحلاف عالمية متصارعة تحول المنطقة إلى ساحة حرب بالوكالة. وحدة اللغة والتقارب الثقافي وحدهما لا يمنعان الحرب؛ فالتاريخ مليء بالنزاعات الدامية بين أبناء القومية الواحدة عندما تستمد كل دولة أمنها من حلف خارجي يحرّكها وفق مصالحه الإستراتيجية.
——————————
إن البديل للحرب الأهلية القومية لا يكمن في البقاء على وضع التجزئة، ولا في ابتلاع الجار، بل في إعادة توجيه طاقة الأمة نحو الخارج.
تقع الأرض العربية في قلب العالم القديم، وهي الجسر الرابط بين القارات الثلاث. وبدلاً من أن تتصارع القوى على كيلومترات في بادية الشام أو صحراء المشرق والمغرب، يجب أن تتحول هذه الطاقة الحيوية والديموغرافية إلى مشروع توسعي جيوسياسي موحد يفرض نفوذ الأمة على النطاقات العالمية المباشرة:
——————————
لكي يتحقق هذا الواقع الجديد دون أن تعتدي دولة على أخرى، يجب تأسيس منظومة أمنية وسياسية قومية فوق-قطرية:
1.
دمج القيادات العسكرية في هيئة أركان موحدة، بحيث تُوجّه الجيوش حصراً لحماية الحدود الخارجية وتأمين المصالح القومية العابرة للحدود، ويُحظَر استخدام السلاح بين الدول الأعضاء.
2.
ربط الموارد النفطية والمعدنية بالموانئ والمراكز الصناعية العربية في شبكة واحدة تجعل أي عدوان بين دولة وأخرى بمثابة انتحار اقتصادي ذاتي.
3.
إعلان حياد إستراتيجي جماعي عن الأحلاف العالمية الخارجية، وإنشاء "حلف المركز القومي" الذي يتعامل مع القوى العظمى كقطب عالمي قائم بذاته وليس كأدوات شطرنج.
4.
عندما يصبح انتقال الأفراد ورؤوس الأموال حراً ومفتوحاً من دمشق إلى القاهرة ومن عمان إلى بغداد، تفقد "دعاوى الحدود التاريخية" قيمتها التجييشية، وتتحول الحدود إلى مجرد تقسيمات إدارية تنظم الخدمات ولا تقسم الأمة.

——————————
إن الأمة التي تستهلك طاقتها في نهرب نفسها وتصفية حسابات تاريخية بين أبنائها هي أمة محكومة بالزوال. إن الخيار الحقيقي ليس بين البقاء على الوضع الحالي الخانق أو خوض حرب الكل ضد الكل، بل في خلق واقع عربي جديد؛ واقع يذيب الحدود الداخلية في حلف قومي صلب، ويتجه بكامل قوته نحو آفاق العالم لتكون هذه الكتلة هي مركز ثقل العالم الجيوسياسي الجديد.