مصر والسودان...

Jinkees_kn21 يوليو 2026news

هناك علاقات بين الدول يمكن تفسيرها بسهولة وأخرى كلما حاولت تفكيكها ازدادت تعقيدًا. والعلاقة بين مصر والسودان تبدو في تقديري واحدة من أكثر العلاقات إثارةً للحيرة في المنطقة.

دولتين يجمعهما نهر واحد وتاريخ متداخل وحدود طويلة وروابط إنسانية عميقه أن تتأرجح علاقتهما باستمرار؟

هل نحن أمام أخوّة فرضتها الجغرافيا والتاريخ؟ أم أمام علاقة تحكمها المصالح السياسية؟ أم أن المشهد أكبر بكثير مما يظهر على السطح؟

يكفي أن تنظر إلى الخريطة لتدرك أن مصر والسودان ليسا مجرد دولتين متجاورتين بل دولتان تتقاسمان مصيرًا فرضه النيل قبل أن ترسمه الحدود.

السودان يمتلك واحدة من أكبر المساحات الزراعية في المنطقة وثروات طبيعية هائلة، وموقعًا جغرافيًا يربط بين قلب أفريقيا والعالم العربي.

وفي المقابل، تمتلك مصر كثافة سكانية كبيرة، وخبرات مؤسسية متراكمة، وبنية تحتية، وموقعًا استراتيجيًا يمنحها وزنًا إقليميًا مهمًا.

ولو اجتمعت هذه المقومات في إطار شراكة حقيقية فمن الصعب تجاهل حجم القوة الاقتصادية والسياسية التي يمكن أن يصنعها البلدان معًا.

وهنا يبرز السؤال الذي لا يفارقني:

إذا كانت فرص التكامل بهذا الوضوح... فلماذا تبقى العلاقة أسيرة الشك والتوتر أكثر من كونها نموذجًا للتعاون؟

يكاد المشهد يتكرر بصورة لافتة.

تهدأ الأجواء قليلًا ثم يظهر ملف جديد.

مرة حول التاريخ...

وأخرى حول الآثار...

ثم يعود الجدل حول حلايب وشلاتين...

وأحيانًا يكفي تصريح إعلامي أو منشور في مواقع التواصل حتى تتحول المنصات إلى ساحات للتراشق والاتهامات والالفاظ.

هل تعكس هذه الضوضاء حقيقة ما يشعر به الشعبان؟

أم أن طبيعة وسائل التواصل تجعل الأصوات الأكثر غضبًا تبدو وكأنها تمثل الجميع؟

من خلال تجاربي الشخصية التقيت مصريين يكنّون للسودانيين كل الاحترام كما التقيت آخرين اختلفت تجربتي معهم. والأمر نفسه يمكن أن يقال عن أي شعب.

ولهذا أرفض أن أختزل ملايين البشر في تصرفات أفرادأو في منشورات غاضبة تنتشر لساعات ثم تختفي.

من المستفيد من استمرار التوتر؟

لانو لاتوجد أزمات وليس لها مستفيد

وأود أن أوضح منذ البداية أن ما سأطرحه ليس اتهامًا، ولا حقيقة مثبتة، بل مجرد تساؤل مشروع.

هل توجد أطراف إقليمية أو دولية تستفيد من بقاء العلاقة بين مصر والسودان في حالة توتر دائم او الخوض في حرب؟

لا أملك وثائق ولا معلومات استخباراتية، ولا أدلة قاطعة.

كل ما أملكه هو متابعة الأحداث وقراءة التحليلات، ومحاولة فهم الصورة كما يفعل أي مواطن.

وربما يكون تفسير الأمر أبسط من ذلك بكثير فهناك ملفات معقدة بطبيعتها، مثل مياه النيل، والخلافات الحدودية، والتحديات الداخلية التي يواجهها السودان، وهي عوامل كافية لتفسير جانب كبير من هذا التذبذب.

من يربح عندما تنشغل دولتان جارتان بالخلاف بدل التعاون؟

الخلافات السياسية أمر طبيعي بين الدول.

لكن ما يقلقني حقًا هو سرعة تحولها إلى كراهية بين الشعوب.

فبمجرد حدوث أزمة، تمتلئ المنصات بالسب، والسخرية، والعنصرية، والتعميمات الجارحة.

وأتساءل دائمًا:

هل نحن فعلا شعوب جاهلة ولم نصل للوعي الكافي؟

هل استفاد أي شعب من نشر الكراهية والشتم والرمي هنا وهناك؟

الإجابة غالبًا واحدة.

الخاسر الحقيقي هو الوعي.

فعندما يتحول المواطن إلى وقود لصراع إعلامي يصبح جزءًا من المشكلة دون أن يشعر.

حلايب... خلاف سياسي أم سبب دائم للعداء؟

يبقى ملف حلايب وشلاتين من أكثر الملفات حساسية بين البلدين.

لكن، مهما بلغت أهمية أي نزاع حدودي فإن مكانه الطبيعي هو طاولة الحوار أو التفاوض، أو الآليات القانونية المتفق عليها.

فالسياسة تتغير.

أما الشعوب فتظل باقية.

ولا ينبغي أن يتحول خلاف على الحدود إلى مبرر لكراهية أمة بأكملها.

قبل أن نحلم بتكتل إقليمي قوي، علينا أن نواجه الحقيقة كما هي.

السودان لا يزال يمر بتحديات داخلية معقدة، وصراعات أثرت في استقراره وقدرته على الانطلاق.

ومن الصعب بناء شراكات استراتيجية مستقرة مع الخارج إذا كان الداخل نفسه يبحث عن الاستقرار.

ولهذا، ربما يكون الطريق إلى التكامل الإقليمي يبدأ أولًا بإصلاح الداخل، ثم بناء الثقة مع الجوار.

دعونا نتخيل المشهد للحظة.

شراكة اقتصادية حقيقية.

استثمارات مشتركة.

مشروعات زراعية وصناعية كبرى.

تعاون في الأمن والطاقة والنقل.

تنسيق في القضايا الإقليمية.

هل يمكن أن يتحول البلدان إلى قوة إقليمية مؤثرة؟

الإمكانات موجودة بلا شك.

لكن تحقيقها يحتاج إلى ثلاثة عناصر لا غنى عنها:

- إرادة سياسية صادقة.

- ثقة متبادلة بين الطرفين.

- وعي شعبي يرفض أن يكون أداة لإشعال الفتن.

ما كتبته هنا ليس إلا محاولة لفهم علاقة تبدو معقدة بقدر ما هي مهمة.

لكنني مقتنع بأن تحويل أي خلاف سياسي إلى عداوة بين شعبين هو خسارة للجميع.

Jinkees_kn🇸🇩#