حين لا تحل الأخطاء المشكلة
في كل مجتمع، وخصوصًا في مجتمع يجمع عددًا كبيرًا من اللاعبين، ستقع الأخطاء. سيختلف الناس، وستحدث مواقف يساء فهمها، وقد يتصرف أحدنا في لحظة غضب أو انفعال بطريقة لم يكن ليتصرف بها لو أُعطي وقتًا للتفكير.
لكن السؤال الحقيقي ليس: من أخطأ؟
السؤال الأهم هو: ماذا سنفعل بعد الخطأ؟
فالخطأ لا يُصلح خطأً آخر، والإساءة لا تصبح حقًا لمجرد أن الطرف الآخر أساء قبلها. وإذا جعلنا كل موقف بداية لمعركة جديدة، فلن تنتهي الخصومات، وسيتحول ما بدأ داخل لعبة إلى حساسيات شخصية بين اللاعبين.
أحيانًا يكون أبسط الحلول وأحكمها هو التجاهل.
ليس لأننا عاجزون عن الرد، وليس لأننا لا نملك ما نقوله، وإنما لأننا ندرك أن بعض الأمور لا تستحق أن نمنحها من وقتنا وطاقتنا أكثر مما تستحق. القدرة على الرد شيء، والحكمة في اختيار متى نرد شيء آخر.
وكذلك العفو عند المقدرة.
العفو ليس ضعفًا، بل هو أن تكون قادرًا على الانتقام ثم تختار ألا تفعل. أن تعرف أن الإنسان قد يخطئ، وأن المواقف العابرة لا ينبغي أن تهدم العلاقات، وأن الانتصار في جدال صغير لا يساوي خسارة احترام ومودة بين مجموعة كاملة.
وقد قيل قديمًا إن أخلاق الجاهلية لم تكن كلها مذمومة؛ فقد كان للعرب خصال من الكرم والشجاعة والنجدة وحفظ الجوار والوفاء بالعهد. وإذا كنا نرفض أن يعود فينا حكم الجاهلية وتعصبها وثاراتها، فمن الأولى أن نتمسك بما كان فيها من مروءة وكرم وشهامة.
فإن اختلفنا، فلنختلف دون أن نتحول إلى أعداء.
وإن أخطأ أحدنا، فلنترك له بابًا للرجوع.
وإن أساء إلينا أحد، فليس مطلوبًا أن نرد الإساءة بمثلها.
ولنضع أمام أعيننا أن هذه في النهاية لعبة، وأن خلف كل حساب لاعبًا آخر لديه وقته وظروفه ومشاعره. قد نلتقي اليوم في مواجهة، وغدًا نحتاج إلى التعاون. وقد يكون خصم اليوم حليف الغد.
القوة ليست دائمًا في أن ترد.
أحيانًا تكون القوة في أن تستطيع الرد ولا ترد.
والحكمة ليست في أن تثبت أنك على حق في كل موقف، بل في أن تعرف أي موقف يستحق أن تخوضه، وأي موقف يستحق أن تتجاوزه.
لن نمنع الأخطاء من الحدوث، لكن يمكننا أن نمنع الأخطاء من التحول إلى خصومات دائمة.
فلنختلف، ولننافس، ولنحارب داخل اللعبة، لكن لنترك خارجها مساحة للأخلاق والمروءة.
الخطأ يُعالج بالحكمة، لا بخطأ آخر.
والخلاف يُنهيه التسامح، لا الثأر.
والقوة الحقيقية أن تملك القدرة على الأذى، ثم تختار السلام.