ستظل قرطاج اسمًا يُذكر في التاريخ مهما طال الزمان وتغيّرت الأماكن.
لكن... من هي قرطاج؟ وكيف تأسست؟ وهل نستطيع اليوم، وبكل ثقة، أن نقول إن تونس هي قرطاج؟
للإجابة عن هذا السؤال، لا بد أولًا من طرح أسئلة أكثر عمقًا.
لماذا سُمّيت قرطاج بهذا الاسم؟ ولماذا يتردد اسمها على معابر التاريخ، ويدخل من أكبر أبوابه؟ ولماذا تُعرض آثارها وتحفها في أعظم متاحف العالم، وتُدرَّس حضارتها في أرقى الجامعات العالمية؟
هل كانت قرطاج حقًا بهذه العظمة والهيبة؟ أم أنها مجرد أسطورة تناقلتها الأجيال عبر الزمن؟
والأهم من ذلك كله: هل من حق تونس أن تطلق على نفسها اسم قرطاج، وأن تتفاخر بأمجادٍ قامت يومًا على أرضها، لكنها لم تكن يومًا على قدر المسؤولية للحفاظ على تلك الأسطورة؟
وهل أصبح التونسيون اليوم فاقدين للثقة في بلادهم، حتى باتوا يتمسكون بأمجاد قومٍ استطاعوا، في زمنهم، فرض سيطرتهم على البحر الأبيض المتوسط، وكانت لهم اليد العليا في التجارة والسياسة والثقافة؟
بل إن البعض يرى أن قرطاج كانت من أهم محطات تطور الفكر السياسي، حيث شهدت أسوارها بدايات نظام سياسي متقدم، كما برع القرطاجيون في صناعة أقوى وأفخم السفن في عصرهم، حتى أصبحت مواجهتهم في البحار أقرب إلى الانتحار.
قد تكون الإجابة، ببساطة، نعم... ولا.
فمن لم يفهم تاريخ أرضه وأجداده، لن يستطيع بناء مستقبل راسخ، لأن الماضي يمهد للمستقبل.
ولكن علينا أن نتوقف عند نقطة في غاية الأهمية:
هل يكفي تمجيد الماضي لصناعة مستقبل باهر؟
الإجابة، بكل صراحة، لا.
فالماضي يمهد للمستقبل، لكنه لا يصنعه. ومن اكتفى بالافتخار بأمجاد أسلافه دون أن ينقدها، أو يطورها، أو يبني عليها، مات في غياهب الزمن، ولم يترك سوى الذكريات.
فكيف يمكن لأمة أن تعيش على أطلال محاربين وأساطير عاشوا في زمنٍ كانت الحروب فيه تُحسم بالخيل والسيوف، بينما نعيش اليوم في عصرٍ أصبحت فيه الكلمة سلاحًا، والمعلومة قوة، والاقتصاد والتكنولوجيا قادرين على إسقاط دول، ورفع أخرى إلى أعلى المراتب؟
وهنا نقف عند نقطةٍ في غاية الأهمية، قد تكشف هذا التناقض.
إن تمجيد التاريخ، والثقافة، والقوة، قد يكون في بعض الأحيان انعكاسًا لنقصٍ نفسي ناتج عن عدم القدرة على المنافسة عالميًا بالقدرات الحالية. فحين تعجز الأمم عن صناعة أمجاد جديدة، تميل إلى الاحتماء بأمجاد الماضي.
ومع ذلك، فإن هذا الشعور ليس سلبيًا بالكامل. فالإنسان، مهما تغيرت الأزمنة، يظل يحمل في داخله حاجة فطرية إلى الافتخار بوطنه وأصله وانتمائه. إنه يريد أن يرى بلاده قوية، وأن يشعر بأن لها مكانة بين الأمم.
ولنأخذ كأس العالم مثالًا. ففي كثير من الدول، ومنها تونس، لا يُنظر إلى البطولة على أنها مجرد منافسة رياضية، بل تتحول إلى معركة رمزية، وحرب معنوية تسعى فيها الشعوب إلى إثبات وجودها أمام العالم. ليس لأن كرة القدم هي أهم القضايا، بل لأنها تمنح الإحساس بالقوة والاعتراف، وتعوض أحيانًا الفراغ السياسي أو الاقتصادي أو العلمي الذي تعيشه بعض الدول.
ومن هنا يبرز السؤال الحقيقي:
لماذا لا يزال البعض يرفع شعارات مثل "تونس العظيمة" و**"قرطاج، مهد الحضارات"**؟
نعم، كانت قرطاج واحدة من أعظم حضارات البحر الأبيض المتوسط، وهذا حقيقة تاريخية لا يمكن إنكارها. ولكن هل يحق لنا أن نسقط ذلك الماضي على حاضرنا دون نقد أو مراجعة؟
هل يكفي أن نقول للعالم إننا أحفاد قرطاج، وإننا حكمنا البحار والتجارة والسياسة يومًا ما؟
أجل، لقد حكمنا البحار يومًا، وكان لنا تأثيرٌ في السياسة والتجارة والثقافة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو:
ما هي الميادين التي نحكمها الآن؟
فالأمم لا تُقاس بما كانت عليه قبل ألفي عام، بل بما تستطيع أن تقدمه للعالم اليوم، وبما ستتركه للأجيال القادمة غدًا.
( الجزء الأول )