بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد،
فإن أمة الإسلام، مهما تباعدت أقطارها واختلفت ألسنتها وتعددت دولها، تبقى أمة واحدة، يجمعها كتاب واحد، ونبي واحد، وقبلة واحدة، وتاريخ واحد، ومصير واحد. وإن ما أصاب المسلمين في هذا الزمان من ضعف وتفرق وتنازع لم يكن لقلة عددهم ولا لفقر أرضهم ولا لضعف دينهم، وإنما كان لأن صفهم تشتت، وراياتهم تعددت، وكلمتهم افترقت، فطمع فيهم العدو، وتجرأ عليهم المعتدي، وصارت مقدساتهم وأراضيهم عرضة للتهديد والاحتلال والإهانة.
قال الله تعالى:
واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا
وقال تعالى:
ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم
وهذا أمر واضح لا يحتاج إلى تأويل: إن التفرق فشل، وإن النزاع ذهاب للقوة، وإن الأمة التي لا تجمع كلمتها لا تستطيع أن تحمي أرضها ولا مقدساتها ولا شعوبها.
إن الواجب اليوم على المسلمين، ملوكا وسلاطين وقادة وشعوبا، أن يدركوا أن أمن كل أرض إسلامية هو أمن للأمة كلها، وأن الاعتداء على القدس أو مكة أو المدينة أو أي أرض من أراضي المسلمين ليس شأنا محليا، بل اعتداء على جسد واحد. فإذا اشتكى عضو، وجب أن يتحرك الجسد كله.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى
ومن هذا المنطلق، فإننا ندعو إلى تكوين حلف إسلامي جامع، لا يقوم على العصبية ولا على الظلم ولا على العدوان، بل يقوم على حماية ديار المسلمين، وصيانة المقدسات، وردع كل من يتطاول على أرض الأمة وكرامتها. حلف يجمع القوة المتفرقة في قوة واحدة، والكلمة المتناثرة في موقف واحد، والرايات المتعددة تحت راية الحق والوحدة.
إن هذا الحلف المنشود يجب أن يكون عهدا بين المسلمين:
ألا تُترك أرض إسلامية وحدها إذا اعتُدي عليها.
وألا يُترك شعب مسلم يواجه الظلم منفردا.
وألا تصبح مقدسات الأمة مجالا للمساومة أو الصمت أو الخذلان.
وألا تُهدر قوة المسلمين في نزاعات داخلية بينما أعداؤهم يتربصون بهم.
إننا لا ندعو إلى ظلم ولا عدوان، وإنما ندعو إلى قوة تحفظ الحق، ووحدة تمنع التمزيق، وموقف يردع المعتدي قبل أن يتمادى. فالأمة التي لا تملك قوة تحمي بها مقدساتها تُهان، والأمة التي لا تتحد عند الخطر تُستباح، والأمة التي تجعل خلافاتها فوق قضيتها الكبرى تخسر حاضرها ومستقبلها.
يا أبناء الإسلام،
إن راية الأمة لا ينبغي أن تكون ممزقة بين مصالح ضيقة وحدود مصطنعة وخلافات عابرة. إن دم المسلم، وأرض المسلم، ومقدسات المسلم، وكرامة المسلم، كلها أمانة لا يجوز التفريط فيها. ومن حق الأمة، بل من واجبها، أن تتحد دفاعا عن نفسها، وأن تبني قوة تمنع الطامعين، وتردع المعتدين، وتحفظ للأجيال القادمة حقها في العزة والأمان.
فلتجتمع الكلمة، ولتتوحد الصفوف، ولينته زمن التفرقة والخذلان. فإن العدو لا يخشى أمة كثيرة العدد متفرقة الإرادة، وإنما يخشى أمة تعرف هدفها، وتجمع قوتها، وتحمي مقدساتها، وتقف صفا واحدا إذا مُست أرضها أو كرامتها.
اللهم اجمع كلمة المسلمين على الحق، وأصلح ذات بينهم، واحفظ ديارهم ومقدساتهم، واجعل بأسهم على من اعتدى عليهم لا بينهم، ورد عنهم كيد الظالمين والطامعين.