إن الموقع الجغرافي ليس مجرد إحداثيات على الخريطة في حروب العصر بل هو حتمية تحدد مصير الأمم وتشكل روح سياستها العامة فالدولة التي تمتلك موقعا مركزيا تحظى بميزات استراتيجية لا تقدر بثمن بينما الدولة التيتتحكم بمصائر التجارة العالمية. إن هذا التناقض الديناميكي هو جوهر اللعبة السياسية..

الدول الموجودة في قلب الخريطة تحتل موقعا مسيطرا اقتصادياً لا يمكن تجاهله فهذه الدول تملك حدودا متعددة الاتجاهات مما يسمح لها بتوزيع قواتها العسكرية على عدة جبهات بكفاءة عالية
الميزة الحقيقية تكمن في القدرة على السيطرة على مصادر المواد الخام والموارد الإقليمية التي تحيط بها من كل جانب
كما أن الدول المركزية تملك نقطة اتصال طبيعية مع معظم القارة مما يجعلها محور التحالفات والاتفاقيات السياسية فالدول المحيطة بها مجبرة على التفاوض معها أو على الأقل الحفاظ على علاقات قابلة للتعايش معها هذا الموقع يعطيها ثقلا سياسيا كبيرا حتى لو كانت قوتها العسكرية متواضعة

الدول الساحلية من جهتها تحتل موقعا اقتصاديا فريد فالتجارة العالمية تمر عبر سواحلها والموانئ التي تسيطر عليها تصبح مراكز للازدهار والثروة اي ان الاقتصاد البحري والصناعات التي تعتمد على المحيطات تعطيها دخلا مستمرا وسيولة نقدية تفوق نظيراتها الداخلية
لكن هذه الميزة لها ثمن باهظ فالدول الساحلية معرضة للهجمات من البحر وتحتاج إلى حشد قوات بحرية ضخمة لحماية سواحلها.
كما أن اقتصادها يصبح عرضة للحصار الاقتصادي والحروب التجارية إذا ما فقدت السيطرة على طرقها التجارية
الدول التي تقبع على حدود إقليمية معقدة أو على ممرات جغرافية ضيقة تملك ثقلا عسكريا لا يستهان به. فالممرات الجبلية والأنهار الحدودية توفر نقاط دفاعية قوية ضد الغزاة. إن السيطرة على هذه المضايق تعني السيطرة على حركة الجيوش والموارد في المنطقة برمتها
دول مثل هذه غالبا ما تكون حائطا واقيا لحلفائها ويمكنها أن تلعب دور الموازن في الصراعات الإقليمية. فالدول الأكبر والأقوى مجبرة على احترام قوتها الدفاعية وتجنب مواجهة مباشرة معها
الدول المعزولة جغرافيا عن المنطقة والمحاطة بحدود قوية طبيعية أو صناعية تملك استقلالية أكبر في السياسة والاقتصاد. هذه الدول لا تشعر بالضغط المستمر من الجيران مما يعطيها حرية أكبر في اتخاذ القرارات الاستراتيجية
لكن العزلة الجغرافية لها ثمن آخر وهو البطء في جمع المعلومات الاستخبارية والضعف في التحالفات الإقليمية. فالدول المعزولة غالبا ما تتأخر عن معرفة الأخطار القادمة وتجد صعوبة في تكوين تحالفات قوية
الموقع الجغرافي لا يحدد فقط الخطوط العسكرية بل يحدد أيضا توزيع الموارد الاقتصادية. الدول التي تسيطر على مناطق غنية بالمعادن والمواد الخام تملك ميزة اقتصادية هائلة. أما الدول التي تقع على طرق التجارة العالمية فتحصل على ضرائب جمركية وأرباح تجارية مستمرة
هذا التوزيع غير المتساوي للموارد يخلق تنافسا حادا بين الدول على السيطرة على المناطق الغنية. والدول الذكية هي التي تدرك أن السيطرة على المورد أهم من السيطرة على الأرض نفسها

السياسي الحكيم يدرك أن الموقع الجغرافي ليس ثابتا بل يتطور مع تطور الحرب نفسها. فالدول التي تفقد أراضيها قد تصبح معزولة أو محاصرة وبالتالي تفقد قوتها السياسية. بينما الدول التي توسع حدودها بذكاء قد تحول نفسها من دولة هامشية إلى قوة إقليمية
الاستثمار في فهم الخريطة وتحليل المواقع الاستراتيجية هو الفرق بين لاعب يعتمد على الحظ ولاعب يعتمد على الذكاء والتخطيط. الموقع الجغرافي يعطي الأساس لكن الاستراتيجية والتحالفات هي التي تحول هذا الأساس إلى قوة حقيقية
تذكروا جيدا ان في عالم حروب العصر كل شيء يبدأ من الخريطة الموقع الجغرافي للدولة يحدد الفرص والتحديات التي تواجه كل الشعب الدول الذكية هي التي تفهم موقعها وتستفيد من مزاياه الطبيعية بينما تسعى لتصحيح عيوبه. فالجغرافيا قد تحدد المصير
لكن الإرادة والاستراتيجية هي التي تصنع تاريخ الامة
بقلم المحلل السياسي عصام الدين ...