من أقدم: حمص أم حماة؟ التاريخ والآثار والتبعية الإدارية تجيب
عند مقارنة تاريخ حماة وحمص، تظهر حماة في المصادر التاريخية كمدينة ومركز سياسي مهم في زمن أسبق بكثير من بروز حمص/إيميسا كمدينة كبرى.
حماة ومملكتها الآرامية
حماة القديمة، أو حماث (Hamath)، لم تكن مجرد تجمع سكاني صغير، بل أصبحت عاصمة مملكة حماة الآرامية، إحدى الممالك المهمة في بلاد الشام خلال العصر الحديدي.
وازدهرت مملكة حماة خصوصًا خلال الألف الأول قبل الميلاد، ودخلت في الصراعات والتحالفات الإقليمية مع القوى والممالك المحيطة، قبل أن تسقط في النهاية أمام التوسع الآشوري.
وهذا يعني أن حماة كانت بالفعل مدينة وعاصمة مملكة معروفة قبل أكثر من 2800 سنة، فضلًا عن أن الاستيطان الأثري في موقعها يعود إلى عصور أقدم من ذلك بكثير.
أين كانت حمص في ذلك الوقت؟
هنا تظهر نقطة مهمة في المقارنة.
حمص القديمة ارتبطت باسم إيميسا (Emesa)، لكنها برزت بصورة واضحة في المصادر في فترة متأخرة عن حماة.
فموسوعة Princeton للمواقع الكلاسيكية تذكر إيميسا باعتبارها عاصمة للحكام الإيميسيين العرب المرتبطين بالرومان منذ القرن الأول قبل الميلاد، ثم ازدهرت بصورة كبيرة في العصر الروماني، ولا سيما في القرنين الثاني والثالث الميلاديين.
والأهم أن دراسة أثرية حديثة للباحث مأمون عبد الكريم، نُشرت سنة 2023، راجعت المكتشفات والتنقيبات داخل مدينة حمص الحالية، وخلصت إلى أن الأدلة المتاحة لا تثبت وجود إيميسا كمدينة مهمة قبل العصر الروماني، كما لم تظهر نقوش معروفة من العصر الهلنستي داخل المدينة.
ومع ذلك، يجب التفريق بين الاستيطان وظهور المدينة؛ فموسوعة The Encyclopedia of Ancient History تشير إلى وجود استيطان في موقع إيميسا منذ العصر البرونزي المبكر، لكنها تؤكد أيضًا أن المدينة لم تصبح بارزة إلا في العصر الروماني.
فكم حماة أقدم من حمص؟
لا يمكن علميًا القول إن حماة «أقدم من حمص بـ3000 أو 5000 سنة» بشكل قطعي؛ لأن هناك آثار استيطان قديمة في كلا الموقعين.
لكن إذا قارنا ظهور المدينتين كمركزين حضريين وسياسيين موثقين، فالفارق كبير:
حماة كانت عاصمة مملكة مهمة في الألف الأول قبل الميلاد، بينما يظهر بروز إيميسا/حمص بوضوح بعد ذلك بقرون، وخاصة ابتداءً من القرن الأول قبل الميلاد ثم العصر الروماني.
وبهذا المعيار يمكن الحديث عن فارق يقارب ألف سنة تقريبًا في البروز التاريخي والسياسي، وليس في أول وجود بشري في الموقع.
وهل كانت حمص تابعة لحماة؟
نعم، وهنا توجد وثائق إدارية عثمانية واضحة.
بعد دخول حماة تحت الحكم العثماني سنة 1516م أصبحت مركز سنجق. وفي إعادة التنظيم الإداري سنة 1527م جُمعت حماة وحمص في سنجق واحد.
والأهم أن دفاتر التحرير العثمانية تبيّن أن سنجق حماة كان يتألف من نواحي: حماة، حمص، معرة النعمان وبارين.
أي أن حمص كانت ضمن الوحدة الإدارية التي مركزها حماة.
وتذكر الموسوعة الإسلامية التركية TDV هذه المعلومات اعتمادًا على سجلات الأرشيف العثماني، ومنها دفاتر التحرير ذات الأرقام BA, TD, nr. 137 و418.
متى انفصلت حمص عن حماة؟
في سنة 1568م حدث تغيير إداري مهم:
فُصلت حماة وحمص عن بعضهما، وتحولتا إلى سنجقين منفصلين.
وبقي سنجق حمص مرتبطًا بإيالة دمشق، بينما أُلحق سنجق حماة بإيالة حلب. والمصدر نفسه يستند في هذه المعلومة إلى وثائق الأرشيف العثماني BA, MAD, nr. 563.
إذن يمكن تلخيص الصورة تاريخيًا:
حماة أقدم في ظهورها كمدينة ومركز سياسي موثق، وكانت عاصمة لمملكة حماة الآرامية قبل بروز إيميسا/حمص بقرون طويلة. وفي العصر العثماني أصبحت حمص ضمن سنجق حماة في بعض الفترات، ثم فُصلت عنها إداريًا سنة 1568م وأصبحت سنجقًا مستقلًا.
لكن من باب الدقة التاريخية، الأفضل ألا نقول إن «حمص كانت قرية من ريف حماة»؛ فهذا يتجاوز ما تثبته الوثائق. العبارة التي نستطيع إثباتها مباشرة هي:
«حمص كانت ناحية تابعة لسنجق حماة، ثم انفصلت عنها إداريًا وأصبحت سنجقًا مستقلًا.»
وهذه أقوى في النقاش لأنها تستند إلى السجلات الإدارية العثمانية نفسها، وليست مجرد تعبير شعبي عن تبعية حمص لحماة.