لم أنسَ ذلك اليوم ولن أنساه ما حييت.

كانت بغداد أمام أعيننا، مدينةً نعرف شوارعها وبيوتها ونهرها، لكنها في ذلك الصباح بدت مختلفة... كأنها تنتظر منا أن نحميها.
وقفنا في مواقعنا، وكل واحد منا يحمل في قلبه خوفاً لا يريد أن يظهره. لم يكن الخوف من الموت هو ما يشغلني، بل كان خوفي على بغداد... على أهلها، على الأطفال الذين لا يعرفون شيئاً عن الحرب، وعلى تلك المدينة التي عاشت معنا كل أفراحنا وأحزاننا.

كان الدخان يغطي السماء، والأصوات تهز المكان، لكن بين كل ذلك كنت أسمع شيئاً آخر... صوت أمي وهي توصيني قبل أن أخرج:
"دير بالك على نفسك، يمّه."
تذكرت أبي أيضاً، وتذكرت كل شخص ينتظر عودتي.
مرت الساعات ببطء، لكن قواتنا بقيت صامدة. لم نتراجع، ولم نسمح للعدوان بأن يصل إلى بغداد.
ومع مرور الوقت بدأ الهجوم يضعف، حتى جاء الخبر الذي كنا ننتظره: بغداد بقيت آمنة.
عندها فقط شعرت أن التعب الذي في جسدي اختفى.
رفعت عيني نحو المدينة، وكانت الشمس تشرق فوق دجلة، فشعرت بشيء لا أستطيع وصفه. لم أكن أشعر أننا انتصرنا على عدو فقط، بل شعرت أننا أوفينا بوعد قطعناه في قلوبنا.
اقترب مني أحد رفاقي، كان متعباً مثلي، وقال وهو ينظر إلى بغداد:
"شوف... بعدها واقفة."
ابتسمت رغم كل التعب، وقلت:
"إي... بغداد بعدها واقفة."
وفي تلك اللحظة فهمت أن بعض المدن لا تحميها الجدران وحدها، بل يحميها حب أهلها لها.
عدنا إلى مواقعنا، ولم نكن نعرف ماذا سيكتب التاريخ عن ذلك اليوم، لكننا كنا نعرف شيئاً واحداً:
لقد وقفنا عندما احتاجتنا بغداد.
وما دام في القلب نبض، تبقى بغداد في القلب... وتبقى ذكراها معنا أينما ذهبنا.
