حين تصبح أفكارنا حدودا لنا
في مجتمع تتعدد فيه الآراء وتتصادم فيه المعتقدات، يبقى السؤال الأهم: هل المشكلة في الأفكار التي ورثناها، أم في الطريقة التي فهمنا بها تلك الأفكار؟ فكم من فلسفة نناقشها منذ سنوات، وكم من معتقد أصبح جزءًا من حياتنا، دون أن نسأل أنفسنا إن كان فهمنا له ما زال صالحًا لعصرنا، أم أننا فقط اعتدنا عليه حتى أصبح تغييره يبدو مستحيلًا؟
الغريب أن بعض القضايا تُناقش، ثم تُنسى، ثم تعود بعد سنوات بالأسئلة نفسها، وكأن المجتمع يدور حول نفسه دون أن يصل إلى نقطة جديدة. تتراكم المخلفات الفكرية والاجتماعية، لا لأنها غير قابلة للحل، بل لأننا أحيانًا نهجر الموضوع بدل أن نعيد النظر فيه من جذوره

وفي المقابل، يصنع الإنسان لنفسه حدودًا قد لا تكون موجودة أصلًا. حدودًا في التفكير، وفي الاختيار، وحتى في خطواته نحو المستقبل. ومع مرور الوقت، يتحول ما كان مجرد فكرة إلى قيد، وما كان مجرد خوف إلى قاعدة، وما كان مجرد رأي إلى حقيقة لا يجوز الاقتراب منها
ثم جاءت وسائل التواصل الاجتماعي لتفتح الأبواب على آلاف الآراء، لكنها فتحت معها أبوابًا أخرى من الوهم. أصبح الإنسان يرى عشرات الصور عن الحياة والنجاح والمجتمع، فيبني في ذهنه عالمًا كاملًا، ثم يصطدم بالواقع فيكتشف أن الصورة التي رسمها لم تكن الواقع نفسه. وهنا يظهر سؤال آخر: هل عندما تسقط الصورة، يجب أن تسقط معها قيمة الشيء؟ أم أن المشكلة كانت في الصورة التي صنعناها عنه؟

ربما لا توجد إجابة واحدة، لأن النفس البشرية أكثر تعقيدًا من أن تختصر في موقف أو معتقد واحد. والمجتمع الجزائري، كغيره من المجتمعات، يحمل نماذج كثيرة من هذه التناقضات: أفكار قديمة، مخاوف اجتماعية، رغبة في التغيير، وخوف في الوقت نفسه من نتائجه
المشكلة ليست دائمًا في الإنسان، ولا دائمًا في المجتمع، ولا حتى في الفكرة نفسها. أحيانًا تكمن المشكلة في المسافة بين ما نعتقده وما نعيشه، وبين ما نناقشه وما نجرؤ فعلًا على تغييره

ولهذا ربما نحتاج إلى أن نسأل أنفسنا من جديد: هل نحن أمام مجتمع يحتاج إلى تغيير أفكاره، أم إلى تغيير طريقة نظره إليها؟ لأن أخطر الحدود ليست تلك التي تُبنى حولنا، بل تلك التي نبنيها داخل عقولنا، ثم ننسى أنها كانت من صنعنا
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل نحن عاجزون عن التغيير، أم أننا تعودنا على حدودنا حتى أصبح الخروج منها يبدو لنا مستحيلًا؟