أما بعد،
أنا لا أكتب هذا المقال لأهاجم شخصًا بعينه، ولا لأهاجم حزبًا بعينه، ولا حتى لأنتقد حكومة بعينها.
أنا أتكلم عن مشكلة أكبر من كل ذلك؛ مشكلة لو استمرت، ممكن تقتل الحياة السياسية في مصر داخل War Era من أساسها.
في الفترة الأخيرة بقينا نشوف حاجة غريبة بتتكرر:
أشخاص موجودون في الحكومة، وفي نفس الوقت موجودون داخل الكونجرس.
وزير الدفاع في الحكومة وعضو في الكونجرس.
وزير الاقتصاد في الحكومة وعضو في الكونجرس.
وزير الخارجية في الحكومة وعضو في الكونجرس.
ونائب الرئيس كذلك.
وهنا السؤال اللي المفروض كل واحد فينا يسأله لنفسه:
لو المسؤول موجود في السلطة التنفيذية، وفي نفس الوقت موجود في السلطة التشريعية... مين بقى هيراقب مين؟
خلونا نبسط الموضوع جدًا.
عندنا في War Era انتخابات للرئاسة، وعندنا انتخابات للكونجرس.
يعني اللعبة نفسها فرّقت بين الحكومة وبين الكونجرس، وأعطت لكل واحد منهم دوره.
الحكومة تدير الدولة وتتخذ القرارات.
والكونجرس مساحة للتمثيل والنقاش والتصويت على القوانين.
طيب...
لو نفس الشخص موجود في الحكومة وفي الكونجرس في نفس الوقت، إيه اللي بيحصل؟
لنفترض إن وزيرًا اتخذ قرارًا شايفين إنه غلط.
المفروض إن أعضاء الكونجرس يناقشوا القرار، ويعترضوا عليه، ويصوتوا بما يرونه في مصلحة الدولة.
لكن لو الشخص المسؤول عن القرار نفسه موجود داخل الكونجرس...
يبقى هو جزء من السلطة التي تتخذ القرار، وجزء من الجهة التي يُفترض أن تناقش وتراقب هذه القرارات.
وهنا أنا مش بقول إن كل وزير فاسد.
ومش بقول إن كل مسؤول هيستغل منصبه.
لأن النظام الصح مش المفروض يعتمد على إن كل واحد هيستخدم السلطة بأفضل شكل ممكن.
النظام الصح هو اللي يحط ضوابط تمنع تضارب المصالح من الأساس.
🟥 الحكومة تحكم، والكونجرس يشرّع ويراقب.
لكن مينفعش نخلي الشخص نفسه جزءًا من الجهتين، وبعدها نستغرب لما يحصل تضارب في الأدوار.
خليني أوضح نقطة مهمة جدًا عشان محدش يفهم كلامي غلط.
أنا مش بقول إن حزب الحكومة مينفعش يكون عنده أعضاء في الكونجرس.
ومش بقول إن الحزب اللي كسب الانتخابات لازم يختفي من البرلمان.
ومش بقول إن المعارضة لازم تعارض كل حاجة لمجرد إنها معارضة.
طبعًا لأ.
من حق أي حزب يكسب.
ومن حقه يشكل الحكومة.
ومن حق أعضاء الحزب يدخلوا الكونجرس ويمثلوا الناس.
لكن اللي أنا شايف إنه محتاج يتغير هو:
إن نفس الشخص يكون وزيرًا أو نائبًا للرئيس، وفي نفس الوقت عضوًا في الكونجرس.
الحكومة والكونجرس لازم يكون بينهم تعاون، لكن لازم يكون بينهم أيضًا فصل في الأدوار.
لأن التعاون شيء...
وإنك تجمع السلطتين في نفس الأشخاص شيء تاني خالص.
ودي بالنسبة لي من أهم النقاط.
الرئيس النهارده ممكن يبقى مواطن عادي بكرة.
والوزير النهارده ممكن يبقى معارض بكرة.
والشخص اللي قاعد في آخر صف في الكونجرس النهارده ممكن يبقى رئيس مصر بعد شهر.
دي طبيعة اللعبة.
الانتخابات موجودة عشان السلطة تتغير.
مش عشان مجموعة معينة تفضل ماسكة كل المناصب للأبد.
فليه أحيانًا بنتعامل مع المنصب كأنه ملكية شخصية؟
ليه الشخص اللي قعد في منصب شهر أو شهرين يبقى كأن المنصب بقى حق مكتسب ليه؟
وليه العلاقات والصداقة والانتماء الحزبي أحيانًا يبقوا أهم من السؤال البسيط:
مين أصلح واحد للمنصب ده دلوقتي؟
أنا عايز مصر يكون فيها:
المنصب تكليف، مش ملكية.
والسلطة مسؤولية، مش امتياز.
والانتخابات وسيلة لتداول السلطة، مش وسيلة لتثبيت نفس الأشخاص فيها.
ودي نقطة محتاجين نفهمها كلنا.
لو شخص خسر الانتخابات، هو خسر انتخابات فقط.
ماخسرش مصريته.
ولو حزب خسر الانتخابات، ما بقاش عدو للدولة.
ولو جاء رئيس جديد، مش معنى كده إن أول مهمة ليه هي التخلص من كل شخص كان مع الرئيس السابق.
بالعكس.
المفروض يحصل إيه؟
الحكومة الجديدة تحكم.
والحكومة القديمة تتحول لمعارضة.
والمعارضة تراقب وتنتقد وتقترح.
وبعد شهر، أو بعد دورة انتخابية، الناس تختار من جديد.
🟨 الحكومة الجديدة لا تنتقم من الحكومة القديمة.
🟨 والحكومة القديمة لا تتحول إلى عدو للدولة لمجرد إنها خسرت.
🟨 والمعارض مش خائن لمجرد إنه مختلف.
دي مش مثالية.
دي ببساطة هي السياسة اللي المفروض نتعلم نمارسها داخل اللعبة.
أنا مش عايز كونجرس يقول للحكومة "لأ" في كل حاجة.
وفي نفس الوقت، مش عايز كونجرس يقول للحكومة "حاضر" في كل حاجة.
الاتنين غلط.
أنا عايز معارضة حقيقية.
واحد يقول:
"أنا مختلف مع القرار ده، ودي أسبابي."
والحكومة ترد:
"إحنا مختلفين معاك، ودي أسبابنا."
وبعدها يتم التصويت.
ولو الحكومة أقنعت الناس، تمشي قراراتها.
ولو المعارضة أقنعت الناس، يتغير القرار.
دي مش فوضى.
دي هي فكرة وجود كونجرس أصلًا.
المعارض الحقيقي مش شخص هدفه إسقاط الدولة.
المعارض الحقيقي هو شخص مستعد يقول للحكومة: "القرار ده غلط"، لما يكون شايف فعلًا إنه غلط.
وفي المقابل، لو الحكومة أخذت قرارًا صحيحًا، المعارضة مش لازم تعارضه لمجرد إثبات وجودها.
ولو مصر دخلت حرب أو تعرضت لخطر خارجي، كلنا نقف مع مصر مهما اختلفنا سياسيًا.
وبعد ما الأزمة تنتهي؟
نرجع نختلف عادي.
نختلف في السياسة، لكن نتفق على مصر.
هقول نقطة صغيرة هنا، ومش عايزها تتحول لمحور المقال.
إحنا أحيانًا بنحب نفسر قوة إسرائيل على إنها مجرد نتيجة للدعم الأمريكي، وده تفسير مريح جدًا؛ لأنه بيخلينا نحس إن كل اللي حصل مش مسؤوليتنا.
لكن الحقيقة إن الموضوع أعقد من كده.
داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه فيه تيارات دينية وعلمانية، وأحزاب واتجاهات سياسية مختلفة جدًا، وفي بينهم خلافات كبيرة.
ومع ذلك، في أوقات كثيرة قدروا يتعاملوا مع الخلاف الداخلي بشكل منفصل عن المصالح المشتركة التي يرونها للدولة.
كل طرف عنده توجهه، وكل طرف بيشتغل في مساحته، لكن وقت الخطر الخارجي بيقدروا يتجمعوا.
وده الدرس اللي يهمني هنا:
ممكن نختلف جدًا... من غير ما نبقى أعداء.
وممكن أكون مختلف معاك سياسيًا، لكن لما مصر تكون محتاجة تعاونك، أتعاون معاك.
دي قوة، مش ضعف.
أنا مش بقول:
"إسقطوا الحكومة."
ومش بقول:
"بدلوا حزب بحزب ونكرر نفس الأخطاء."
أنا بتكلم عن تغيير أكبر:
تغيير الثقافة السياسية نفسها.
احنا عايزين:
الشخص اللي يشغل منصبًا تنفيذيًا في الحكومة مايبقاش في نفس الوقت عضوًا في الكونجرس.
الحكومة يكون لها دورها.
والكونجرس يكون له دوره.
والاتنين يتعاونوا، لكن كل طرف يحتفظ بمساحته.
ماينفعش مجموعة معينة تفضل ماسكة نفس المناصب طول الوقت.
لو شخص أثبت كفاءته، تمام.
لكن لازم يكون فيه فرصة لغيره.
المناصب مش ملك لأحد.
اختيار المسؤول يكون على أساس:
مين يقدر يؤدي المهمة بشكل أفضل؟
مش:
"ده صاحبي."
أو:
"ده من حزبي."
أو:
"ده كان معايا من زمان."
العلاقات شيء جميل في اللعبة، لكن إدارة دولة مش مكافأة للأصدقاء.
معارضة تنتقد لما يكون فيه خطأ.
وتقترح حلول.
وتتعاون لما يكون التعاون في مصلحة مصر.
لا معارضة تخرب لمجرد التخريب، ولا كونجرس ينفذ كل طلبات الحكومة من غير تفكير.
ممكن حزبين يختلفوا كل يوم.
لكن لما يبقى فيه خطر خارجي على مصر:
الخلافات تتأجل، ومصلحة مصر تتقدم.
وبعد انتهاء الخطر، كل حزب يرجع يمارس دوره السياسي طبيعي.
كسبت؟
مبروك، احكم بالعدل.
خسرت؟
احترم النتيجة، واستعد للانتخابات القادمة.
ومتخليش الخلاف السياسي يتحول إلى كراهية شخصية.
الحكومة الجديدة ما تنتقمش من الحكومة القديمة.
والحكومة القديمة ما تتحولش لعدو للدولة لمجرد إنها خسرت.
واللي كان رئيسًا أمس ممكن يكون معارضًا اليوم.
واللي كان معارضًا أمس ممكن يكون رئيسًا غدًا.
وده هو معنى تداول السلطة.
أنا مش بكتب الكلام ده عشان أقول إن الحكومة الحالية شر، ولا إن المعارضة دايمًا صح.
لأن لو عملنا كده، هنكون بنكرر نفس المشكلة اللي بنتكلم عنها.
ممكن الحكومة الحالية تكون كويسة.
وممكن الرئيس اللي جاي يكون أفضل.
وممكن اللي بعده يكون أسوأ.
عشان كده مشكلتنا مش مع شخص.
مشكلتنا إننا محتاجين نظام سياسي يفضل شغال مهما اتغير الأشخاص.
أنا، أبو دجانة، عضو مجلس حزب الخلافة الإسلامي، مش بطالب إن حزب الخلافة يفضل في السلطة للأبد.
ولا أطالب إن أي حزب تاني يختفي من المشهد.
أنا عايز يومًا ما، لو حزب الخلافة كسب، نعرف نحكم.
ولو خسر، نعرف نعترض.
ولو خسرنا، نحترم النتيجة.
ولو فزنا، ما ننتقمش من خصومنا.
لأن في النهاية:
مصر مش ملك الرئيس.
ومش ملك الحكومة.
ومش ملك الكونجرس.
ومش ملك حزب واحد.
مصر لكل لاعب اختار إنه يكون جزءًا منها. 🇪🇬
وعشان كده، بدل ما نسأل كل مرة:
"مين هيحكم مصر؟"
خلونا نسأل سؤال أهم:
والله من وراء القصد.
أخوكم،
أبو دجانة
عضو مجلس حزب الخلافة الإسلامي — ICP
