
في الآونة الأخيرة، خرجت بعض الأصوات تتحدث عن «الحاشية»، وتقصد بها رئيس الجزائر ورفاقه والأشخاص الذين وقفوا معه. لكن قبل أن يوزع البعض التهم على الآخرين، من حقنا أن نسأل سؤالاً بسيطاً: من الذي كان سبباً في البلبلة السياسية التي عاشتها الجزائر؟ ومن الذي دفع بالأوضاع نحو التأزم؟
الحاشية الحقيقية ليست مجموعة من الأصدقاء أو اللاعبين الذين يدعمون رئيساً ويقفون إلى جانب بلدهم. الحاشية الحقيقية تظهر عندما يجتمع أشخاص حول هدف واحد: التأثير في السلطة، صناعة الأزمات، الضغط من أجل إسقاط القيادة، ثم تقديم أنفسهم لاحقاً كبديل جاهز للحكم.
ما حدث لا يمكن فصله عن الطموحات السياسية لبعض الأشخاص الذين ساهموا، حسب ما نراه، في خلق بلبلة داخلية ودفعوا بالرئيس نحو الاستقالة. واليوم، بينما يستعد بعضهم للترشح في الانتخابات، يصبح من الضروري أن يعرف اللاعبون أن الانتخابات لا تعني نسيان ما سبقها، وأن من حق الجميع أن يسأل المرشح عن مواقفه السابقة وعن المشروع الذي يريد أن يقود به الجزائر.
نحن لا ننتقد الترشح في حد ذاته، فكل شخص من حقه أن يترشح وأن يقدم مشروعه. لكننا ننتقد المشروع السياسي الذي يُراد فرضه على الجزائر: مشروع قائم على التوسع السريع، والدخول في الحروب، والمغامرات العسكرية، وكأن الجزائر اليوم تمتلك من القوة والاستعداد ما يسمح لها بفتح جبهات جديدة.
الحقيقة التي يجب أن نقولها بوضوح هي أن الجزائر ليست جاهزة حالياً لسياسة توسعية أو لحروب متتالية. الدولة ما زالت بحاجة إلى مزيد من البناء وتقوية وضعها وتوسيع قدراتها وجذب لاعبين جدد وترسيخ الاستقرار الداخلي. فهل من الحكمة أن نرمي بكل ذلك في سبيل مغامرات قد تستنزفنا؟
القوة لا تعني أن تدخل كل حرب، والطموح لا يعني أن تفتح كل جبهة. القائد الحقيقي هو الذي يعرف متى يتقدم، ومتى يتوقف، ومتى يبني قبل أن يغامر. أما دفع الجزائر نحو حروب وهي ضعيفة أو غير مستعدة، ثم تسمية ذلك «قوة» أو «توسعاً»، فذلك ليس بالضرورة مشروعاً وطنياً، بل قد يكون مقامرة بمستقبل الدولة من أجل تحقيق طموحات سياسية شخصية
ولهذا، عندما يترشح هؤلاء الأشخاص، سيكون من واجبنا السياسي أن ننتقد أفكارهم ونكشف مواقفهم ونناقش مشروعهم أمام الجميع. لا لأننا نخاف المنافسة، ولا لأننا نرفض الانتخابات، بل لأن الناخب من حقه أن يعرف إلى أين يريد كل مرشح أن يأخذ الجزائر.
هل يريد بناء دولة قوية أولاً ثم التحرك بحساب؟ أم يريد الوصول إلى الحكم ثم البدء مباشرة في سياسة الحروب والتوسع؟
نحن نرفض أن تُختزل قوة الجزائر في عدد الحروب التي تدخلها. الجزائر القوية هي الجزائر المستقرة، المنظمة، القادرة على حماية نفسها، والتي تختار معاركها بعقل لا بحماس.
أما تهمة «الحاشية»، فنترك للناس الحكم عليها. فمن وقف مع الرئيس دفاعاً عن الاستقرار لا يمكن مساواته بمن ساهم في تأجيج الأزمة ثم ظهر لاحقاً طامحاً إلى الحكم. وبين من يريد الحفاظ على الدولة وبنائها، ومن يرى في الفوضى طريقاً للوصول إلى السلطة، فرق كبير..
لهذا نقولها بوضوح: عندما تبدأ الانتخابات، سنواجه الأفكار بالأفكار، والمشاريع بالمشاريع، والتاريخ بالمواقف. لن نسكت عن مشروع نراه خطراً على الجزائر، ولن نسمح بتجميل الفوضى أو تقديم المغامرة العسكرية على أنها بطولة.
فالجزائر لا تحتاج اليوم إلى من يدفعها نحو حرب جديدة، بل إلى من يعرف أولاً كيف يجعلها قوية بما يكفي حتى لا تكون الحرب يوماً مفروضة عليها
والشعب داخل اللعبة هو من سيحكم في النهاية: بين مشروع يبني الجزائر قبل أن يوسعها، ومشروع يريد التوسع قبل أن يضمن حتى قوة الجزائر واستقرارها.
