ما تبقّى من الوطن

Genei-Ryodan15 أغسطس 2026entertainment

ما تبقّى من الوطن

لم يبقَ من الوطن سوى نافذة

نافذةٌ نصفها واقف، ونصفها الآخر معلّق في الهواء، كأن البيت نفسه لم يحسم بعد إن كان يريد أن يسقط أم ينتظر أحدًا

خلفها غرفةٌ فارغة، وعلى الأرض كوبٌ مكسور لم يجد أحدٌ وقتًا لالتقاطه

في الخارج، كانت المدينة تتنفس بصعوبة

لا سيارات , لا أصوات أطفال , لا بائعٌ ينادي على بضاعته

فقط ريحٌ تمر بين الأبنية، وتحمل معها غبار الأماكن التي كانت يومًا مليئةً بالحياة

هكذا تبدأ نهاية الوطن

ليس حين تسقط عاصمته

بل حين يصبح المكان الذي كنت تعرفه... مكانًا لا تعرفه

حين تمر أمام بيتك القديم ولا تتوقف، لأنك لم تعد تعرف إن كان من حقك أن تسميه بيتًا

وحين تبحث عن وجهٍ مألوف بين المارة، فتكتشف أن المدينة كلها أصبحت غريبة

الحرب لا تأخذ الأرض ... الأرض تبقى

ما تأخذه هو الحياة التي كانت عليها

تأخذ صوت الأب حين يعود إلى منزله

تأخذ ضحكة الأطفال من آخر الشارع

تأخذ امرأةً كانت تنتظر زوجها عند النافذة، ثم تجعل النافذة نفسها بلا معنى

وتترك خلفها مبانيَ واقفةً، كي يبدو الوطن من بعيد وكأنه ما زال حيًا

لكن الوطن لا يُقاس بعدد الجدران .... الوطن هو ما يحدث خلفها

ولهذا، قد تنتهي الحرب ذات يوم

قد تُرفع الأعلام من جديد، وتُفتح الحدود، وتعود الكهرباء إلى الشوارع

وقد يجلس السياسيون أمام الكاميرات ويتحدثون عن إعادة الإعمار

. لكنهم لن يستطيعوا إعادة شيءٍ واحد

ذلك المساء الذي سبق الحرب .... لن يعود

لن يعود الناس الذين كانوا يملؤون الشوارع

لن تعود الطفولة التي انقطعت فجأة

لن يعود الإنسان الذي كان يعتقد أن وطنه شيءٌ مضمون

وربما هذه هي الخسارة الحقيقية....أن تنجو من الحرب

ثم تكتشف أنك نجوت من المكان الذي كنت تسميه وطنًا

ومع ذلك، في آخر الليل، حين يهدأ كل شيء، يفتح رجلٌ عجوز صندوقًا خشبيًا صغيرًا

يخرج منه مفتاحٌ صدئ

صورةٌ باهتة

وقطعةٌ من جدارٍ قديم

يضعها أمامه، وينظر إليها طويلًا

لا يملك وطنًا الآن

لكنه يملك دليلًا على أنه كان هناك وطن ذات يوم

وربما هذا كل ما تحتاجه الأوطان كي لا تموت

....شخصٌ واحد....ما زال يتذكر


ما تبقّى من الوطن | War Era