رعاة الغنم كانوا يجعلون الحمار يتقدم القطيع، فتتبعه الخراف أينما ذهب، لأنها تظن أنه يعرف الطريق وأنه قائدها. والمفارقة أن الحمار نفسه، مع كثرة ما يصفق له القطيع، يبدأ في تصديق أنه قائد فعلاً.
وهذا بالضبط ما يحدث اليوم في الحكومة الحالية.
خراف تظن أن الحمار قائد، والحمار صدّق فعلًا أنه قائد، بعدما أتقن فن النفاق والكذب وتغيير الوجوه حسب المواقف. عشرون وجهًا، وعشرون صفة، وموقف واحد ثابت: البقاء في كرسي الرئاسة بأي ثمن.
تنازلات مذلة تُقدم تحت شعارات براقة، وكرامة الوطن تُوضع على طاولة المساومات، ليس حبًا في المغرب ولا دفاعًا عن مصالح شعبه، وإنما من أجل الحفاظ على الكرسي وإشباع ذلك الغرور وحب الذات، وكأن الوطن ملك شخصي والرئاسة حق أبدي.
لكن المشكلة ليست في الحمار وحده.
المشكلة الحقيقية في تلك الخراف التي تصفق له وتبرر كل خرافاته، وتردد علينا أن «لا حل إلا بالانبطاح»، وكأن المغرب وُلد بلا كرامة، وكأن المواطن لا يملك شيئًا يدافع عنه.
نسي هؤلاء أن الإنسان قد يخسر المال، والمنصب، والنفوذ، وحتى الدنيا بأكملها، لكنه إذا فقد كرامته فقد أغلى ما يملك.
والأغرب أن هذا الحمار ينتظر بكل ذل وهوان أن تفتح له البرتغال، التي لطالما كانت خصمًا تاريخيًا للمغرب، أبوابها وتحالفاتها، حتى أصبح مستعدًا للتخلي عن حلفاء تاريخيين للمغرب مقابل وعد سياسي أو مقعد جديد في تحالف.
ثم يأتي ليبيع للشعب الحجة نفسها:
«حلفاؤنا لم يساعدونا ضد البرتغال.»
حسنًا يا حمار...
خاض المغرب حرب ضد البرتغال، و وكان حجم الدمار والخسائر بلغ نحو أربعمئة مليون، بينما حقق المغرب منها نحو مئة وعشرين مليونًا، وهو رقم ضخم بمقاييس المغرب آنذاك، فالسؤال البسيط الذي يبدو أن أحدًا من خرافك لم يجرؤ على طرحه هو:
إذا كان حجم الدمار أربعمئة مليون، وحقق المغرب نحو مئة وعشرين مليونًا، فمن أين جاء الباقي يا حمار؟
هل ستشرح للشعب الأرقام، أم ستغير وجهك للمرة الحادية والعشرين؟
وما زلت أتساءل:
إلى متى ستستمر في الكذب على شعب يعرف جيدًا أنك أنت وخرافك لا تبحثون عن مصلحة الوطن بقدر بحثكم عن الكرسي؟
الوطن ليس كرسيًا.
والوطن ليس صفقة.
والوطن ليس ورقة تفاوض.
ومن يعتقد أن خدمة المغرب تكون بالمناصب والامتيازات، فقد أخطأ فهم معنى الوطن.
أما الذين يصفقون لكل تنازل ثم يسمونه «حكمة سياسية»، فليتذكروا شيئًا واحدًا:
ليس كل من تقدم القطيع قائدًا، وليس كل من تبعته الخراف يعرف الطريق.
