
صحافة الإشراق
الماضي شيء لا بد أن نفهمه حتى نفهم حاضرنا ونستشرف مستقبلنا. وماضي الجزائر قضية معقدة وصعبة الحل، خاصة أن جذور الخلاف تعود إلى فترة طويلة، ولم يتمكن الأطراف إلى اليوم من الوصول إلى حل نهائي لها.
أما واجبنا اليوم، فيتمثل في توضيح وجهات نظر الأطراف التي عاصرت هذا الصراع، والأهم من ذلك عرض مواقف الأطراف المتنازعة، ثم ترك الحكم للقارئ بعد تقديم الوقائع والشهادات، بعيدًا عن الانحياز لأي طرف.
وأنا اليوم أعلنها بشكل صريح: كنت سابقًا مع حزب خالد بن الوليد، وحملت أفكاره وتقلدت مناصب داخله، لكنني قدمت لاحقًا طلبًا للانضمام إلى حزب سكو. ومع ذلك، فإن هذه التجربة لا تمنعني من الإدلاء برأيي، وسأضع بين أيديكم ما جمعته من وقائع وروايات حول الطرفين، مع محاولة الفصل بين ما هو مؤكد، وما هو ادعاء، وما يزال بحاجة إلى التحقق.
سنتطرق اليوم إلى روايتين مختلفتين حول الصراع: رواية خالد ورواية سكو، على أن نتطرق في المقال القادم إلى آراء عدد من الشخصيات والشهود الذين عاصروا الأحداث، بما يسمح لنا بتكوين صورة أوسع عن القضية.
رأي خالد
يتبنى خالد توجهًا إسلاميًا، ويرى أن القيادة يجب أن تتخذ قراراتها وفقًا للمبادئ الإسلامية، وأن تكون الشورى حاضرة في عملية اتخاذ القرار داخل الحكومة.
كما يرى أن بعض تفاصيل عملية اتخاذ القرار، والأسباب التي تقف وراء قرارات معينة، تدخل ضمن أسرار الدولة، ولا يجب بالضرورة أن تُكشف للشعب.
وصل خالد إلى السلطة عن طريق الانتخابات، وكانت المدة الفاصلة بين ولايته وولاية الرئيس الذي سبقه يومين فقط. وبعد تنظيم الانتخابات، حُسمت النتيجة لصالحه، لتبدأ المعارضة منذ اليوم الأول لولايته بانتقاده، مع استمرارها في إطار سياسي وقانوني في بدايتها.
وخلال عهدته، تم احتلال الجزر الإسبانية. ورغم أن الأراضي الجزائرية كانت، بحسب الرواية المطروحة، مؤمّنة قبل الهجوم، فإن خالد تعرض لخداع عسكري؛ إذ تشير بعض المصادر إلى أن الهجوم على الإسبان كان جزءًا من خطة مدبرة من البرتغاليين والإسبان.
وأصبحت هذه الأحداث نقطة أساسية استندت إليها المعارضة في انتقادها لخالد، ليواجه لاحقًا أحد أصعب الاختبارات خلال فترة حكمه. وبعد فشله في تجاوز هذه الأزمة، أعلن استقالته.
ويقول خالد إن الانتقادات التي تعرض لها تجاوزت حدود المعارضة السياسية، وتطورت في مرحلة لاحقة إلى السب والشتم.
بعد ذلك، أُجريت انتخابات جديدة فاز بها سيفار، الذي عيّن خالد نائبًا له. لكن المعارضة عادت بصورة أكثر حدة، ووجهت انتقادات إلى السلطة، وصلت إلى اتهام خالد بالتأثير في الرئيس، واعتبار سيفار، بحسب وصف معارضيه، "مجرد دمية"، إلى جانب اتهام خالد بالدكتاتورية.
وفي ظل تصاعد هذه الأجواء، قدم الرئيس سيفار استقالته، مشيرًا، بحسب ما نُقل عنه، إلى أن كثرة السب والشتم والمشادات كانت من بين أهم أسباب استقالته.
بعد ذلك، أُجريت انتخابات جديدة كانت نتيجتها لصالح المعارضة، ليصل سكو إلى رئاسة البلاد.
رأي سكو
منذ بداية نشاط سكو كمعارض سياسي، واجه اتهامات بالعمالة للنظام التونسي، وقيل إن الجزائر تسير وفق توصيات تونسية، كما وُجهت اتهامات إلى سكو وجماعته بالخيانة.
لكن، حتى الآن، لم نجد دليلًا واضحًا يثبت هذه الاتهامات، ولذلك تبقى في إطار الادعاءات التي تحتاج إلى أدلة.
كما اتُّهم سكو بانعدام الخبرة، خصوصًا بسبب تجربته السابقة وزيرًا للاقتصاد، والتي وصفها منتقدوه بأنها كانت كارثية، ووصلت، بحسب روايتهم، إلى درجة طلبه المساعدة من لاعبين آخرين.
وفي المقابل، يرى سكو أن معارضته لخالد بدأت أساسًا بسبب الطريقة التي وصل بها خالد إلى السلطة، إذ اعتبر أن الانتخابات شابها التلاعب ولم تكن ديمقراطية بالشكل الكافي.
كما يتهم سكو خالد باستغلال صلاحياته في ديسكورد للوصول إلى السلطة، وهو ما اعتبره مخالفًا لمبادئ الديمقراطية.
استمر سكو في معارضته، إلى أن وقعت أزمة الجزر الإسبانية. ويستشهد سكو بدوره في تلك الحرب، ويؤكد أنه كان من أكثر الأطراف التي تعرضت للأضرار خلالها، ومع ذلك، استمرت الاتهامات الموجهة إليه، ومنها اتهامه بالخيانة.
ثم بدأت الحملة البرتغالية على الجزائر، وسقطت مدينة تلو الأخرى، بينما ازداد الوضع سوءًا في الداخل.
وفي خضم هذه الأحداث، استقال خالد، ثم فاز سيفار بالانتخابات قبل أن يستقيل بعد فترة قصيرة، ليصل سكو في النهاية إلى رئاسة البلاد.
لكن وصول سكو إلى السلطة لم ينهِ الصراع؛ إذ بدأت، بحسب روايته، حملة معارضة شرسة ضده، إلى جانب مشادات كلامية في ديسكورد رأى أنها تهدف إلى ضرب الاستقرار السياسي.
ورغم ذلك، قررت السلطة المضي قدمًا في بناء الجزائر.
ومع مرور الوقت، عاد الصراع إلى الواجهة من جديد، وهذه المرة بسبب انتقادات وُجهت إلى سكو، تمحورت حول فشله في تقديم برنامج قادر على تحقيق استقلال الجزائر، إضافة إلى انتقادات لتوجه الجزائر نحو بعض التحالفات، واتهامه بعدم القدرة على حل مشكلة التحالفات، فضلًا عن اتهامه بتفضيل الانتظار بدلًا من التحرك عسكريًا وتحقيق نتائج ملموسة في مواجهة القضية البرتغالية.
الأسئلة التي يجب طرحها على الطرفين
بعد عرض الروايتين، يبقى من الضروري طرح مجموعة من الأسئلة المباشرة على الطرفين، حتى تكون لديهما فرصة لتقديم توضيحات وردود واضحة.
أسئلة موجهة لخالد
ما هو مشروعك لاسترجاع الأراضي الجزائرية؟
على أي أسس كنت ستعتمد للدخول في تحالف معين؟
كيف تبرر أن حملتك هذه ليست مجرد ثأر لما تعرضت له من ضغط وانتقاد، وإنما حبًّا وخدمةً للجزائر؟
كيف تفسر رفضك القاطع تسليمك للديسكورد؟
أسئلة موجهة لسكو
هل تربطكم أي علاقة، سواء مباشرة أو غير مباشرة، بالحكومة التونسية؟ وهل لديك أي دليل على ذلك؟
كيف تفسر أنك كنت تعارض احتكار السلطة، بينما تمارس الشيء نفسه من خلال كون الحكومة كلها من حزبك ومن أصدقائك؟
هل لديكم أي مشاريع تهدف إلى تطوير الحياة السياسية في الجزائر؟
هذه الأسئلة ستُوجَّه إلى كلا الطرفين، وننتظر الإجابة عنها وطرحها في المقال القادم.
كما سنطرح أقوال القدماء والشهود على النزاع الأكبر، والأهم أنهم كانوا حياديين طوال الوقت، حتى نتمكن من تقديم صورة أكثر وضوحًا عن هذا الصراع، بعيدًا عن الانحياز لأي طرف.
