“بعض المدن بناها التاريخ.. أمّا الإسكندرية فبُنيت لتصبح هي التاريخ”
هناك شعور مختلف يتملكك فور وصولك إلى الإسكندرية.
القاهرة تبدو مصرية أصيلة لا تخطئها العين، بينما تأخذك الأقصر إلى أعماق عالم الفراعنة. أمّا الإسكندرية فتبدو وكأنها مصر وهي تفتح أبوابها للبحر الأبيض المتوسط؛ مدينة التقت فيها التقاليد المصرية بالثقافتين اليونانية والرومانية، وأمّها التجار والفلاسفة والبحارة والرحالة من أشتات العالم القديم.
وبدأ كل شيء بذكرى رجل أراد بناء شيء استثنائي.
في عام 331 قبل الميلاد، أسس الإسكندر الأكبر مدينة الإسكندرية (عروس البحر الأبيض المتوسط) على الساحل؛ وكان موقعها مثالياً إلى حد كبير: ميناء طبيعي، ومتصل بالنيل، وبوابة تصل بين مصر وعالم المتوسط الأرحب.
وبعد وفاة الإسكندر، واصلت السلالة البطلمية رؤيته، فتحولت الإسكندرية إلى واحدة من أعظم مدن العالم القديم وأبرز مراكز العلم فيه.

ولقرون طويلة، ظلت عند ملتقى الحضارات، حيث امتزج التراث المصري بالثقافة اليونانية، ولاحقاً بالنفوذ الروماني.
ومن بين أعظم كنوزها اسمان ما زالا يترددان حتى اليوم:
المنارة..
والمكتبة.
تخيل أنك تدخل مكاناً جُمعت فيه المخطوطات واللفائف من أرجاء العالم القديم؛ لتغطي الرياضيات، والفلك، والطب، والفلسفة، والأدب، والتاريخ.
أصبحت مكتبة الإسكندرية، المرتبطة بالمؤسسة العلمية العريقة المعروفة باسم (الموسيون)، واحدة من أشهر مراكز العلم في العصور القديمة. وكان العلماء يسافرون إليها للدراسة وتبادل المعارف التي أثرت في أجيال متعاقبة.


ثم ظهر اللغز الكبير:
كيف اختفت؟
تروي الرواية الشائعة أن حريقاً هائلاً واحداً دمر المكتبة بأكملها في لحظة كارثية واحدة. لكن التاريخ أكثر تعقيداً من ذلك؛ إذ يُرجح أن اندثارها حدث تدريجياً عبر اضطرابات سياسية، ونزاعات، وتغيرات مؤسسية، وفقدان للدعم العلمي، إلى جانب أحداث تدميرية متفرقة طالت الإسكندرية على مر الزمن.

ولعل المأساة الكبرى ليست في أن حريقاً واحداً أتى على كل شيء..
بل في أن أجزاءً من معارف العالم ربما تلاشت ببطء، حتى لم يعد بإمكان أحد استعادتها.

ورغم ذلك، أبت الإسكندرية أن تنتهي القصة عند هذا الحد.
ففي عام 2002، افتُتحت مكتبة الإسكندرية الحديثة على ضفاف المتوسط، لتكون مجمعاً ثقافياً ومكتبة معاصرة تُستلهم روحها من ذكرى سلفها القديم.

ويرتفع تصميمها الدائري اللافت باتجاه البحر، بينما تغطي واجهتها الخارجية نقوش تمثل مختلف أنظمة الكتابة حول العالم.


اختفت المكتبة القديمة..
فردت الإسكندرية ببناء مكتبة أخرى.
لتفهم الإسكندرية في العصر الروماني، اتجه نحو أطلال معبد السرابيوم، الذي كان يوماً من أهم المجمعات الدينية في المدينة.

كان المعبد مكرساً للإله "سيرابيس"، الذي جمعت عبادته بين التقاليد المصرية واليونانية، وأصبح المعبد مركزاً دينياً بارزاً في المدينة القديمة.
وبالقرب منه يقف "عمود السواري" (أو عمود بومبي)، ورغم اسمه الشهير، فإنه لم يُبنَ في الواقع من أجل بومبي.

إذ شُيِّد هذا العمود الضخم المصنوع من الجرانيت الأحمر عام 297 ميلادية تكريماً للإمبراطور دقلديانوس.


وتكشف هذه الأطلال مجتمعة عن حقيقة مذهلة في الإسكندرية: أن الحضارات المختلفة لم تكن يحل بعضها محل بعض فحسب، بل كانت تُبنى غالباً فوق أثار ما سبقها مباشرة.
والآن انزل الى اعماق الارض.
تعد مقابر كوم الشقافة من أروع المعالم الأثرية تحت الأرض في الإسكندرية، وتعود إلى العصر الروماني.

وفي الداخل، تمتزج التقاليد الجنائزية المصرية بالتأثيرات الفنية اليونانية والرومانية، لتشكل طرازاً إسكندرياً فريداً.



يتملكك إحساس وكأن ثلاث حضارات دخلت المقبرة ذاتها، وتركت كل منها بصمتها الخاصة.
في منطقة كوم الدكة، كشف علماء الآثار عن حي سكني يعود للعصر الروماني، يضم مسرحاً محفوظاً بشكل مذهل، وحمامات، وقاعات للمحاضرات.

وبخلاف المقابر الملكية والمعابد الضخمة، يمنحك هذا الموقع لمحة عن الحياة اليومية للإسكندريين قبل نحو ألفي عام.

هنا كان الناس يجتمعون لمشاهدة العروض، والدراسة، والاستحمام، وممارسة تفاصيل حياتهم اليومية.

في تلك اللحظة، تتوقف الإسكندرية القديمة عن كونها مجرد أطلال..
ولتبدو وكأنها حي سكني حقيقي.

لرؤية المزيد من التراث اليوناني والروماني للمدينة، قم بزيارة المتحف اليوناني الروماني.

تضم مجموعاته التماثيل، والعملات المعدنية، والفسيفساء، والمجوهرات، والأدوات اليومية من الإسكندرية والمنطقة المحيطة بها، مما يقدم نظرة أعمق للقرون التي التقت فيها الثقافات اليونانية والمصرية والرومانية.





وبعد رؤية الأطلال نفسها، يساعدك المتحف على تجميع أجزاء المدينة القديمة معاً.
ثم يأتي متحف الإسكندرية القومي، الذي يتخذ مقره في قصر مرمم بشكل جميل ذي طراز إيطالي.

تغطي مقتنياته آلاف السنين، وتأخذ الزوار في رحلة من مصر القديمة، مروراً بالعصرين اليوناني والروماني، وصولاً إلى التاريخ الإسلامي والمصري الحديث.


وكأنك تسير عبر التسلسل الزمني الكامل للإسكندرية تحت سقف واحد.
لكن الإسكندرية لم تفقد معالمها الأثرية فحسب..
بل فقدت أجزاءً كاملة من أراضيها.
إذ تقبع أجزاء من الإسكندرية القديمة الآن تحت مياه البحر الأبيض المتوسط، حيث اكتشف علماء الآثار أعمدة، وتماثيل، وبقايا معمارية، وأجزاء من الخط الساحلي القديم.
وقد أدت قرون من الزلازل، وهبوط التربة الساحلية، والاضطرابات البحرية العاتية إلى تحويل أجزاء من المدينة القديمة تدريجياً إلى بيئة أثرية غارقة تحت الماء.
وتحت تلك المياه يقبع واحد من أكثر أسرار الإسكندرية إثارة للدهشة.
كشفت المياه المحيطة بالإسكندرية عن بقايا مرتبطة بالحي الملكي القديم، بما في ذلك أجزاء معمارية ضخمة وتماثيل.



وتربط الروايات والحكايات الشائعة غالباً بين هذه البقايا الغارقة وحي القصور الخاص بكليوباترا السابعة، الذي كان مجمعها الملكي يمتد يوماً ما على طول هذا الجزء من الساحل القديم.

وسواء كنت تنظر إلى بقايا قصر أو معبد أو مجمع ملكي، فإن الفكرة في حد ذاتها تدعو للذهول:
جزء من عالم كليوباترا بات الآن يقبع تحت قاع البحر.
وليست الإسكندرية المدينة القديمة الوحيدة التي تخفيها المياه.
فقبالة الساحل المصري على المتوسط، تقبع البقايا الغارقة لمدينة "هراكليون"، وهي مدينة مرافئ قديمة ازدهرت قبل ظهور الإسكندرية.

وتتضمن بقاياها تماثيل ضخمة، وأجزاءً من معابد، ونقوشاً، واكتشافات أثرية لا تُحصى.
وقد أدت الزلازل والتغيرات الجيولوجية وارتفاع منسوب المياه إلى دفع هذا المستوطن القديم تدريجياً تحت سطح البحر.
واليوم، يمكن للغواصين استكشاف أجزاء من مدينة توارت عن السطح لقرون طويلة.


لم تفقد مصر مدنها القديمة..
ففي بعض الأحيان...
احتفظ البحر بها لنفسه فحسب.
تبارك الإسكندرية، وتظل أسرارها تحت الموج شاهدة على عظمتها.
ثم كان هناك الأثر الذي جعل الإسكندرية شهيرة في جميع أنحاء العالم القديم.
منارة الإسكندرية، التي بُنيت على جزيرة فاروس خلال العصر البطلمي، كانت إحدى عجائب العالم القديم السبع.

كانت ترتفع شامخة فوق الميناء لتهدي السفن نحو المدينة. ولأجيال متعاقبة، كان البحارة الذين يقتربون من مصر يرون هذا البناء الضخم وهو يلوح فوق أفق المتوسط.
هناك مقارنة مثيرة للاهتمام بين المنارة وأهرامات مصر القديمة.
فكلاهما كان معلماً ضخماً صُمم ليسيطر على محيطه ويُرى من مسافات بعيدة. ولا توجد أدلة قاطعة على أن المنارة صُممت محاكاةً للهرم الأكبر، لكن الفكرة ذاتها آثرة: الأهرامات أعلنت عن قوة مصر عبر الصحراء، بينما أعلنت المنارة عن وجودها للسفن التي تعبر البحر.
أحدهما هيمن على الأرض.. والآخر هيمن على البحر المتوسط.
وكلاهما قال للرحالة:
مصر هنا.
على مدى قرون، صمدت المنارة أمام تغير الحكام، والحروب، وقيام الإمبراطوريات وسقوطها.
لكن الطبيعة كانت أقوى في النهاية.
إذ أدت سلسلة من الزلازل القوية بين القرنين العاشر والرابع عشر إلى تدمير البناء تدريجياً حتى تداعت المنارة بشكل كبير. واستُخدمت أحجارها المتبقية لاحقاً في أعمال بناء أخرى، ليزول هذا الأثر القديم من أفق المدينة.
لكن الإسكندرية اعتادت الاحتفاظ بأجزاء من الماضي حية.
واليوم، تقف قلعة قايتباي على موقع المنارة القديمة أو بالقرب منه، وترجح بعض الروايات أن أحجاراً من المنارة دُمجت في بناء القلعة.
لقد زالت العجيبة..
لكن ذكراها لم تزل.
بُنيت القلعة في القرن الخامس عشر على يد السلطان الأشرف قايتباي لحماية الإسكندرية من الهجمات البحرية.

وموقعها يجعلها استثنائية: حصن من العصور الوسطى يقف حيث كانت إحدى أعظم عجائب العالم القديم تهدي السفن يوماً ما إلى الميناء.
تجوّل بين أسوارها، واصعد نحو الطوابق العلوية وتطلع عبر البحر المتوسط.





للحظة، يمكنك أن تتخيل المنارة وهي تقف هناك من جديد.
استمرت قصة الإسكندرية طويلاً بعد غياب الآلهة القديمة والأباطرة الرومان.
تذكر الروايات التاريخية أن القديس مرقس، الذي يُعد مؤسس الكنيسة في الإسكندرية، وصل إلى المدينة خلال القرن الأول الميلادي.

وتحمل الكنيسة المرقسية القبطية الأرثوذكسية هذا التراث المسيحي القديم إلى الإسكندرية الحديثة، وتظل مركزاً مهماً للتاريخ والعبادة القبطية.

وهذا يذكرنا مرة أخرى بأنه في الإسكندرية، لم تكن الحضارات تلغي بعضها..
بل كانت تتراكم طبقة فوق طبقة.
بالقرب من الميناء الشرقي يقع مسجد المرسي أبو العباس البديع، وهو أحد أبرز المعالم الإسلامية في الإسكندرية.

بقباثه الأنيقة، وأقواسه، وتفاصيله الداخلية الدقيقة، يسيطر المسجد على المنطقة المحيطة به، بينما يضفي موقعه القريب من الواجهة البحرية أجواءً ساحرة للزيارة.




من المعابد القديمة إلى الكنائس والمساجد، يروي أفق الإسكندرية قصة قرون من التحولات الدينية والثقافية.
معلم جميل آخر هو مسجد قائد إبراهيم، الواقع بالقرب من الواجهة البحرية المركزية للإسكندرية.

يجعله موقعه جزءاً من إيقاع الحياة في الإسكندرية الحديثة، حيث تلتقي الحياة الدينية، والمقاهي، والمتاجر، والكورنيش معاً.
إنه مكان رائع لتجربة المدينة لا كمعرض أو متحف..
بل كمجتمع حي ينبض بالحياة.
والآن، اترك الأطلال القديمة خلفك واتجه شرقاً نحو المنتزه.
هنا يقف قصر المنتزه، تحيط به حدائق شاسعة تطل على البحر المتوسط.




ارتبط هذا المجمع الملكي بالعائلة المالكة المصرية، ولا سيما خلال عهد الملك فاروق، وتغطي معماره توليفة رائعة من الأساليب المتأثرة بالتصميمات المتوسطية والأوروبية.



لكن القصر ليس سوى نصف القصة.
تمتد حدائق المنتزه المحيطة بالقصر على مساحة ساحلية ضخمة مليئة بالأشجار، والزهور، والإطلالات البحرية الخلابة.
بعد قضاء ساعات تحت الأرض بين المقابر الرومانية والتجول بين الأطلال القديمة، تقدم المنتزه تجربة مختلفة تماماً:
مساحات خضراء، وهواء البحر العليل.


خذ وقتك هنا..
فهذه هي الإسكندرية في أبهى صور استرخائها.
ملاذ جميل آخر هو حدائق انطونيادس، وهي واحدة من المساحات الخضراء التاريخية في الإسكندرية.

تضم الحدائق مساحات منسقة، وتماثيل، وعمارة مستوحاة من تقاليد الحدائق الأوروبية.





وهي تقدم جانباً أكثر هدوءاً من المدينة، بعيداً عن صخب المرور والزحام على الكورنيش.
للمحة أخرى عن الثقافة المصرية الحديثة، قم بزيارة دار أوبرا الإسكندرية، الواقعة في مسرح سيد درويش التاريخي.

شُيِّد المسرح في أوائل القرن العشرين، ويعكس الطابع العالمي للإسكندرية وعلاقتها الطويلة بالموسيقى والمسرح والفنون.
فالمدينة التي جذبت العلماء القدماء ما زالت تملك مسرحاً لفناني اليوم.



على طول الواجهة البحرية، يكرم النصب التذكاري للجندي البحري المجهول شهداء القوات البحرية المصرية.

ويمنح الوقوف بجوار المتوسط النصبَ موقعاً ملائماً: فالبحر نفسه الذي ربط الإسكندرية بالعالم القديم ما زال محورياً في الهوية البحرية لمصر الحديثة.
لتجربة مختلفة تماماً، تقدم حديقة حيوان الإسكندرية محطة عائلية بعيدة عن المواقع الأثرية.
وهي تذكير بأن الإسكندرية ليست مجرد وجهة تاريخية..
بل مدينة حية يتعايش فيها التاريخ، والحياة اليومية، والترفيه الحديث جنباً إلى جنب.
خارج قلب الإسكندرية، يقدم دير القديس مارمينا نافذة أخرى على التراث المسيحي المصري.

يرتبط الموقع بالقديس مارمينا، وهو أحد أشهر القديسين في مصر، ويصل الإسكندرية والمنطقة المحيطة بها بتاريخ طويل من الحج القبطي والتقاليد الرهبانية.
بالقرب من المركز التاريخي، توفر حدائق الشلالات مساحة خضراء أخرى داخل المدينة.

كما تحمل المنطقة آثاراً من تاريخ الإسكندرية الدفاعي القديم، مما يجعلها محطة ممتعة لمن يرغب في استكشاف المدينة بعيداً عن أشهر معالمها.
والآن يأتي جزء من الإسكندرية لا يتطلب تذكرة دخول أثرية..
المشي في ضواحي وشوارع الاسكندرية.
يزخر وسط مدينة الإسكندرية بمبانٍ تاريخية فخمة، وشرفات، وواجهات متأثرة بالطراز الأوروبي، وشوارع تعكس ماضي المدينة المتعدد الثقافات.

يمكنك رؤية التأثيرات الإيطالية، واليونانية، والفرنسية، والمصرية في طرازها المعماري.

وهذه المباني ليست مجرد زينة..
بل هي دليل على العالمية التي وصلت إليها الإسكندرية.
خذ جولة هادئة في المركز التاريخي، وتطلع إلى الأعلى، وادرس التفاصيل.
في بعض الأحيان، يكون أفضل متحف في الإسكندرية هو الشارع نفسه.
وعندما تتعب قدماك، اركب الترام التاريخي.
يعد نظام الترام في الإسكندرية من بين الأقدم في إفريقيا، وقد أصبح أحد أشهر رموز المدينة.

من النافذة، تمر المدينة أمامك بأسلوب طبيعي—مبانٍ قديمة، وأسواق، وأحياء، ولمحات من البحر المتوسط.
قد لا يكون أسرع وسيلة للتنقل..
وهذا بالتحديد هو سبب ركوبك له.
في النهاية، اتجه نحو كورنيش الإسكندرية.
هذا الشريط الساحلي الطويل على المتوسط هو المكان الذي يلتقي فيه ماضي المدينة بحاضرها. عائلات تتنزه بجوار البحر، وصيادون يرقبون المياه، ومقاهٍ تعج بالأحاديث، وسفن تعبر البحر المتوسط ذاته الذي حمل يوماً الرحالة اليونانيين والرومان إلى الإسكندرية.
خذ جولة عند غروب الشمس..
وتطلع نحو الأفق..
ثم تذكر أن تحت تلك الأمواج تقبع أجزاء من المدينة القديمة.
فالمنظر لم يتغير كثيراً كما قد تظن.
ثم يأتي كوبري ستانلي، أحد أشهر المعالم الحديثة في الإسكندرية.


تمتد أقواسه الأنيقة فوق البحر المتوسط بجوار الكورنيش، ليشكل واحداً من أروع المشاهد الكلاسيكية للمدينة.
تمَشَّ على الواجهة البحرية، وتوقف لالتقاط صورة، وانتظر حتى تبدأ أنوار المدينة بالإضاءة.
لأن للإسكندرية شخصية أخرى بعد هبوط الليل.

طالما كانت الإسكندرية مدينة المقاهي.
اليوم، يمكنك الجلوس بجوار البحر، أو استكشاف المركز التاريخي، أو الاختباء في أحد مقاهي المدينة التقليدية ومشاهدة تفاصيل الحياة للإسكندرية.
القهوة، والشاي، والأحاديث، ونسيم البحر.. قد تكون كافية جداً.
وبعد ذلك..
حين ينتهي التجوال، يحين وقت الطعام.
إذا كانت الأقصر وأسوان تحملان طعم النيل وجنوب مصر، فإن الإسكندرية تحمل مذاق البحر المتوسط.
شرائح كبدة رفيعة مطبوخة مع الثوم، والفلفل الحار، والبهارات، وتُقدم عادة ساخنة في الخبز. حارة، وبسيطة، ومرتبطة بعمق بثقافة طعام الشارع الإسكندراني.

أسماك، وجمبري، وكالماري، وكابوريا تُعد مشوية أو مقلية أو مطهوة في الفرن مع التوابل المحلية.
ومع وجود البحر المتوسط عند عتبة الباب تقريباً، تعد المأكولات البحرية جزءاً أساسياً من تجربة الإسكندرية.

طبقات من المكرونة، واللحم المفروم المتبل، والبشاميل الغني المخبوز حتى يكتسب لوناً ذهبياً. هي ليست حصرية للإسكندرية، لكنها واحدة من أكثر الأطعمة المفضلة في مصر.

حلوى غنية بالسميد مسقية بالشراب السكري (الشربات) وغالباً ما تُزين بالمكسرات.
ذهبية، متماسكة، وشديدة الحلاوة.

قليلة هي الأسماء المرتبطة بعمق بثقافة الحلويات القديمة في الإسكندرية مثل "ديلس"، الذي تأسس في أوائل القرن العشرين.

أصبحت معجناته وحلوياته جزءاً من الهوية الغذائية للمدينة، وتشتهر كعكة الجبن (تشيز كيك) لديه بشكل خاص بين الإسكندريين والزوار على حد سواء.
إذا كان لديك متسع لحلوى إضافية..
فاصنع لها متسعاً.

في النهاية، تتوارى الشمس في أحضان البحر المتوسط.
يشتعل الكورنيش بالأضواء، وتزدحم المقاهي، ويتألق كوبري ستانلي فوق المياه. وتحت هذا البحر نفسه تقبع بقايا مدينة كانت يوماً ما مركز العالم القديم.
تلك هي الإسكندرية.
بناها الإسكندر..
وطورها البطالمة..
وشكلتها روما..
وتأثرت بمصر..
وغيرتها المسيحية والإسلام..
وهزتها الزلازل..
واستقر جزء منها في جوف البحر المتوسط..
وأُعيد بناؤها مراراً وتكراراً.
فقدت معالم، ومكتبات، وممالك، وأجزاء كاملة من كيانها—لكنها لم تختفِ أبداً.
ربما تكون هذه هي أعظم قصص الإسكندرية.
ليست المنارة..
ولا المكتبة..
ولا المعابد أو القصور..
بل حقيقة أنها بعد أكثر من ألفي عام، ما زالت الإسكندرية حية.
الترام ما زال يتحرك، والصيادون ما زالوا يرقبون المتوسط، والعائلات تمشي على الكورنيش، والمقاهي تعج بالأحاديث، والسفن تدخل الميناء.
المنارة القديمة اختفت..
وجزء كبير من الإسكندرية القديمة يقبع تحت الأمواج..
لكن المدينة بقيت.
لأن الإسكندرية لم تكن مجرد مجموعة من المعالم الأثرية..
الإسكندرية كانت فكرة.
وكنتيجة لذلك..
نجت الفكرة واستمرت.
بل في إدراك أن الحضارة التي تبحث عنها ما زالت حية من حولك.
معبد السرابيوم بالإسكندرية
عمود السواري (عمود بومبي)
مقابر كوم الشقافة
كوم الدكة
مكتبة الإسكندرية القديمة
منارة الإسكندرية
قصر كليوباترا الغارق والحي الملكي
المواقع الأثرية الغارقة
مدينة هراكليون المفقودة
مكتبة الإسكندرية الحديثة
متحف الإسكندرية القومي
المتحف اليوناني الروماني
متحف المجوهرات الملكية
دار أوبرا الإسكندرية
الكنيسة المرقسية القبطية الأرثوذكسية
قلعة قايتباي
جامع سيدي مرسي أبو العباس
جامع قائد إبراهيم
قصر المنتزه
حدائق المنتزه
حدائق انطونيادس
حدائق الشلالات
دير القديس مارمينا
كورنيش الإسكندرية
كوبري ستانلي
الترام التاريخي
شواطئ البحر المتوسط
وسط البلد بالإسكندرية
المقاهي التاريخية
حديقة حيوان الإسكندرية
النصب التذكاري للجندي البحري المجهول
الكبدة الإسكندراني
المأكولات البحرية المتوسطية
المكرونة البشاميل
الهريسة
الحلويات التقليدية
تشيز كيك ديلس
لقد تتبعنا مصر من الأهرامات إلى الأقصر، ومروراً بالنوبة وأسوان، ووصولاً في النهاية إلى البحر المتوسط.
لكن هناك مصراً أخرى تنتظر خلف المدن.
مكان يتسم بالكثبان الرملية اللانهائية، وطرق القوافل القديمة، والواحات الخبيئة، والمناظر الطبيعية التي تبدو شبه خيالية.
تختفي المعابد، وتختفي المدن، وحتى النيل يختفي..
وأمامك لا يقبع شيء سوى الصحراء.
RELATED ARTICLES:
https://app.warera.io/article/6a865528a22b08cc6a4e55f2
https://app.warera.io/article/6a8e95f43ff6ff10c2a894bd
