حين تغيب الحكمة… تتقدم الفتنة

Nayko39 سبتمبر 2026news

في خضم الأزمة السياسية التي تعصف بالبلاد، والتي وصلت إلى حد تبادل الاتهامات بين الحكومة والمعارضة، والدفع نحو انتخابات رئاسية طارئة تحت ضغط سياسي متصاعد، بل ووصول الأمور إلى انتقال بعض أفراد الحكومة إلى تغيير جنسيتهم، أصبح من الضروري أن نقف لحظة، بعيدًا عن الحسابات الحزبية والمصالح الشخصية، لنسأل أنفسنا: إلى أين نمضي؟

إن ما يحدث اليوم لا يخدم طرفًا دون آخر، بل يهدد استقرار الدولة بأكملها.

إلى الحكومة نقول:
إن إدارة الدولة مسؤولية قبل أن تكون سلطة، والثقة التي يمنحها الشعب ليست شيكًا على بياض. لا ينبغي أن تتحول السلطة إلى عناد، ولا أن تصبح الانتقادات ذريعة لإقصاء الخصوم أو تجاهل أصوات المعارضين. الحكمة تقتضي الاستماع، والتصحيح عند الخطأ، وفتح أبواب الحوار قبل أن تتسع الهوة بين أبناء الوطن الواحد.

وفي المقابل، إلى المعارضة نقول:
المعارضة حق مشروع، بل هي عنصر أساسي في الحياة السياسية، لكن المعارضة شيء، وهدم مؤسسات الدولة وزعزعة استقرارها شيء آخر. الضغط السياسي مشروع ما دام هدفه الإصلاح، أما المبالغة في التصعيد، وتبادل الاتهامات، والدفع نحو أزمة سياسية شاملة، فلن يكون انتصارًا للمعارضة بقدر ما سيكون خسارة للوطن.

أما أن يصل الخلاف إلى درجة تجعل بعض المسؤولين يفكرون في تغيير جنسيتهم، فذلك مؤشر خطير على أن الصراع تجاوز حدود المنافسة السياسية وأصبح يمس الانتماء نفسه.

الوطن لا يُترك عند أول عاصفة.

والانتخابات الرئاسية الطارئة، إن أصبحت نتيجة مباشرة لضغط اللحظة والانفعال السياسي، يجب ألا تتحول إلى مخرج سريع من أزمة يمكن حلها بالحوار. الانتخابات ليست مجرد وسيلة لمعاقبة خصم سياسي، وإنما آلية ديمقراطية يجب أن تُحترم قواعدها وتُصان نزاهتها، وأن تكون مصلحة البلاد فوق الحسابات الآنية.

لذلك، فإن رسالتنا اليوم ليست إلى الحكومة وحدها، ولا إلى المعارضة وحدها، بل إلى الطرفين معًا:

عودوا إلى عين العقل.

اجلسوا على طاولة واحدة، أوقفوا حرب الاتهامات، ضعوا مصلحة الدولة فوق مصلحة الأشخاص والأحزاب، واجعلوا الاختلاف السياسي وسيلة للتصحيح لا وقودًا للانقسام.

وفي لحظات الأزمات، علينا أن نستحضر الكلمات التي تحمل في طياتها معنى الصمود والوحدة:

«لنا الأطلس، أبًا أشوس، له يُسلس قياد الزمن»

فالأطلس لا ينحني أمام العواصف، ولا تتغير مكانته بتغير الفصول. وكذلك الدولة القوية لا تُبنى بالصراع الدائم، ولا تنهار بسبب اختلاف سياسي، وإنما تقوى عندما يملك أبناؤها شجاعة الاختلاف، وشجاعة أكبر للجلوس معًا عندما يشتد الخلاف.

فلتكن الانتخابات، إن كانت حتمية، نتيجةً لإرادة واعية لا نتيجةً للضغط والانفعال.
ولتكن المعارضة صوتًا للإصلاح لا معولًا للهدم.
ولتكن الحكومة عنوانًا للمسؤولية لا رمزًا للتشبث.

إن الوطن أكبر من الحكومة، وأكبر من المعارضة، وأكبر من أي شخص مهما علا شأنه.

فلنختلف كما نشاء، لكن لنتفق أولًا على أن الدولة يجب أن تبقى.

فالسياسة تتغير، والحكومات ترحل، والمعارضات تتبدل، أما الوطن… فهو الذي يبقى.

حين تغيب الحكمة… تتقدم الفتنة | War Era