"حين تذكرنا العدم قبل أن نتذكر أنفسنا"
brazili23 أغسطس 2026news
ربما لم نأت إلى هذا العالم كما نظن وربما كان مجيئنا مجرد الطريقة التي يتذكر بها العالم نفسه من خلالنا وربما كان الوعي الذي نسميه أنا ليس أكثر من نافذة فتحتها الأشياء على نفسها ثم نسينا أن نسأل من يقف خلف النافذة ولهذا كلما حاول الإنسان أن يعود إلى ذاته وجد طبقات من الأصوات التي سبقته إليه أصوات الآباء واللغة والخوف والذاكرة وما سماه يوما حقيقة حتى صار من الصعب معرفة أين ينتهي ما اختاره وأين يبدأ ما اختير له
نحن لا نرى الأشياء كما هي بل كما تسمح لنا أسماؤها أن نراها وحين نفقد اسما لشيء لا يختفي الشيء وإنما تختفي قدرتنا على الوصول إليه وربما لهذا كانت اللغة أقرب إلى الجدار منها إلى المفتاح فهي لا تكشف العالم بقدر ما تحدد الجزء الذي يسمح لنا العالم برؤيته وكلما اتسعت الكلمات حول الشيء ضاقت المسافة بينه وبين الوهم حتى يصبح ما نسميه فهما مجرد شكل آخر من أشكال العمى
والأغرب أن الإنسان لا يخاف المجهول لأنه مجهول بل لأنه يحتمل أن يكون معروفا بطريقة لا يستطيع احتمالها فالحقيقة ليست مخيفة لأنها مظلمة وإنما لأنها قد تكون مضيئة إلى درجة تجعل كل ما بنيناه في الظلام يبدو كذبة ضرورية ولهذا ربما لم تكن الحضارات تخاف الحقيقة بقدر خوفها من الإنسان الذي يصل إليها دون أن يحتاج بعدها إلى ما كانت تمنحه له من يقين
نحن نبحث عن أنفسنا في الذاكرة مع أن الذاكرة لا تحفظنا بل تعيد تشكيلنا كل مرة نعود إليها وما نسميه الماضي قد لا يكون سوى حاضر قديم تعلم كيف يرتدي ثيابا مختلفة حتى لا نتعرف عليه وربما لهذا يتغير الإنسان دون أن يشعر لأنه لا يترك ماضيه خلفه كما يظن بل يحمل نسخا منه داخله وكل نسخة تنتظر اللحظة التي يضعف فيها الحاضر لتتكلم بأسمه
وربما كان أعظم وهم صنعه الإنسان هو اعتقاده أنه يقف خارج الأشياء وينظر إليها فالعين التي تراقب العالم جزء من العالم والعقل الذي يحاول تفسير الوجود هو نفسه أحد ألغاز الوجود والسؤال الذي نوجهه إلى الحقيقة قد يكون مصنوعا من المادة التي نحاول اكتشافها ولهذا قد لا تكون المشكلة أننا لم نجد الإجابة بعد وربما المشكلة أن السؤال نفسه كان قادرا على خداعنا منذ البداية
وفي مكان ما بين ما نعتقد أننا نعرفه وما نعجز عن إنكاره توجد منطقة لا يصل إليها اليقين ولا ينفع فيها الشك وهناك يبدأ الشيء الذي لا اسم له في الظهور لا كحقيقة ولا ككذبة وإنما كشيء ثالث يجعل الاثنين غير كافيين وعندما يصل الإنسان إليها لا يعود يسأل من أنا بل يبدأ في الشك في معنى أن يكون هناك شخص أصلا يستطيع أن يسأل
فاذا كانت الحقيقة هي الشي الوحيد الذي لا نستطيع رؤيته كما هو فأين نحن حين نظن أننا قد رأيناها؟
