إلى ملوك المسلمين وسلاطينهم، إلى جيوش العرب وفرسانهم، إلى كل قلب ما زال يعرف أن القدس أمانة، وأن الأقصى عهد، وأن فلسطين ليست أرضا بعيدة على أطراف الخريطة، بل قلب الأمة وجرحها النازف.
أما بعد،
فإن بقاء الاحتلال فوق أرض فلسطين المقدسة عار على أمة تشهد أن لا إله إلا الله، ووصمة على جبين كل قادر ثم صمت، وكل غني ثم بخل، وكل قوي ثم تردد، وكل صاحب راية شغلته رايته عن راية الحق.
يا أمة محمد،
أتنامون والأقصى يستغيث؟ أتختلفون والقدس تنادي؟ أتجعلون بأسكم بينكم، وعدوكم يرى فرقتكم فيزداد جرأة وطغيانا؟
قال الله تعالى:
واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا
وقال تعالى:
ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم
فوالله ما ضعف الحق لقلة أهله، ولكن ضعف يوم تفرقوا. وما قوي الباطل لقوته، ولكن قوي يوم رأى الأمة ممزقة، كل قوم ينظرون إلى حدودهم وينسون قبلتهم الأولى ومسرى نبيهم.
إن فلسطين ليست قضية شعب وحده، ولا راية حزب وحده، بل أمانة الإسلام كلها. من خذلها خذل معنى الأخوة، ومن نصرها نصر كرامة الأمة، ومن بذل لها فقد بذل في سبيل حق لا يموت.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا
وقال صلى الله عليه وسلم:
مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى
فإن كانت فلسطين تشتكي، فكيف يهدأ الجسد؟ وإن كان الأقصى يئن، فكيف تصمت الحناجر؟ وإن كان أهلها يثبتون وحدهم، فأين الأمة التي ملأت الدنيا يوما عزة وفتحا وعدلا؟
يا أبناء الإسلام،
هذا نداء للنفير العام: نفير القلوب قبل الأقدام، ونفير المال قبل الكلام، ونفير الوحدة قبل الشعارات. من استطاع أن يعين فليعن، ومن استطاع أن يتبرع فليبذل، ومن استطاع أن يرفع الصوت فليتكلم، ومن استطاع أن يداوي جرحا، أو يطعم جائعا، أو يؤوي مشردا، أو يكفل يتيما، أو يدعم صمود أهل فلسطين، فذلك باب من أبواب النصرة لا يغلق.
لا تجعلوا نصرة فلسطين كلاما يقال عند الغضب ثم ينسى عند الراحة. اجعلوها مالا يبذل، ودعاء يرفع، وموقفا يثبت، ووحدة لا تنكسر. فإن الأمة التي تبخل على مقدساتها لا تنتظر عزة، والأمة التي تترك أهل فلسطين وحدهم تترك جزءا من قلبها ينزف.
فلتفتح أبواب التبرع، ولتتحرك القوافل، ولتتسابق الأيادي إلى إغاثة المظلومين، ودعم صمود المرابطين، وحماية الضعفاء، وإسناد أهل الأرض الذين يقفون في وجه الاحتلال والتهجير والظلم.
ليس المجد في كثرة الرايات إن كانت متفرقة، بل في راية واحدة يجتمع تحتها الحق. وليس العار أن يطول الطريق، بل العار أن نرضى بالاحتلال كأنه قدر لا يدفع، وأن نرى الظلم ثم نعتاد رؤيته.
يا أمة الإسلام،
فلسطين عهد، والقدس أمانة، والأقصى ينادي. فلا تكونوا أمة تسمع النداء ثم تنام، ولا تكونوا قوما يملكون المال والعدد ثم يعجزون عن النصرة.
اللهم اجمع كلمة المسلمين، وانصر المستضعفين، واحفظ فلسطين وأهلها، ورد القدس إلى عزها، واجعل بأس الأمة على من ظلمها لا بينها، واجعل أموالنا وأقوالنا ومواقفنا عونا للحق لا شاهدا علينا يوم نلقاك.