الجزائر ومكافحة الانقسام الداخلي

Aminos16 أكتوبر 2026guide

الجزائر ومكافحة الانقسام الداخلي: رهان الجبهة الوطنية في بيئة إقليمية مضطربة

مقدمة:

تخوض الجزائر في السنوات الأخيرة معركة صامتة ومستمرة لا تقل شراسة عن معاركها الدبلوماسية الخارجية، وهي معركة "تحصين الجبهة الداخلية" ومكافحة كل أشكال الانقسام. وفي ظل محيط إقليمي ودولي يعج بالتقلبات والتوترات والتدخلات العابرة للحدود، تدرك المؤسسة الرسمية والنخب الجزائرية أن أي اختراق للأمن القومي يبدأ دائماً من الثغرات الداخلية. من هنا، تحولت "مكافحة الانقسام" إلى عقيدة سياسية وأمنية قائمة على استراتيجيات استباقية للحد من التشرذم المجتمعي، والسياسي، والمؤسسي.

أولاً: جذور التحديات ومخاطر الانقسام الداخلي

لم يكن الهاجس الداخلي في الجزائر وليد اللحظة، بل هو امتداد لذاكرة جمعية ثقيلة ترتبط بـ"العشرية السوداء" في تسعينيات القرن الماضي، والتي تعلمت منها الدولة والمجتمع معاً باهظ الثمن كلفة الانقسام وانهيار مؤسساتها. وتتجلى مظاهر التحديات الداخلية المعاصرة في عدة مستويات:

الانقسامات الفكرية والأيديولوجية: التجاذب المستمر بين التيارات المختلفة (الوطنية، الإسلامية، العلمانية، وغيرها) وما يصاحبها أحياناً من استقطاب حاد في الفضاء الرقمي.

حروب الجيل الرابع والتشظي المعلوماتي: انتشار الشائعات والخطابات الموجهة لضرب الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وتأجيج النعرات الجهوية أو العرقية.

التحديات الاقتصادية والاجتماعية: محاولات استغلال الفوارق الاجتماعية أو البطالة لركوب موجات الاحتجاج وتحويلها من مطالب مشروعة إلى أدوات لهدم الاستقرار العام.

ثانياً: الآليات والاستراتيجيات الرسمية لمواجهة التشرذم

لمواجهة هذه المخاطر، صاغت الجزائر حزمة من المقاربات المتكاملة (الأمنية، القانونية، والسياسية) لتقوية مناعتها الداخلية:

التجريم القانوني لخطاب الكراهية: خطت الجزائر خطوات متقدمة عبر سن تشريعات صارمة (مثل القانون المتعلق بالوقاية من التمييز وخطاب الكراهية ومكافحته)، لوقف أي محاولات لضرب الوحدة الوطنية أو إثارة النعرات العصبية والجهوية عبر وسائل الإعلام شبكات التواصل.

إعادة الاعتبار للمؤسسات وتكريس الحوار: سعت السلطة إلى إطلاق مسارات للحوار الوطني، وتفعيل دور المجتمع المدني والمجالس المنتخابية كحلقة وصل لتخفيف الاحتقان وامتصاص الأزمات قبل تحولها إلى صدامات مجتمعية.

اليقظة الأمنية وحماية الحدود: ترتكز المقاربة الأمنية على التنسيق العالي بين مختلف الأجهزة لإجهاض أي مخططات خارجية تستهدف النسيج الداخلي، بالتزامن مع تأمين الحدود المشتعلة لمنع تسرب السلاح أو العناصر التخريبية.

ثالثاً: الدور الإقليمي كامتداد للتماسك الداخلي

ترتبط سياسة الجزائر الخارجية ارتباطاً وثيقاً بجبهتها الداخلية؛ فالقوة في الخارج تبدأ من الاستقرار في الداخل. ومن هنا تأتي مواقف الجزائر الرافضة للتدخلات الخارجية في دول الجوار (كليبيا ومالي)، ودعمها لجهود المصالحة الإقليمية والفلسطينية (إعلان الجزائر)، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن "ترتيب البيت الداخلي" هو المرتكز الوحيد لصناعة القرار السيادي المؤثر، ومنع أي محاولات إقليمية أو دولية لاستخدام الورقة الداخلية للضغط على مواقف الجزائر الثابتة.

خاتمة:

إن مكافحة الانقسام الداخلي في الجزائر ليست مجرد إجراء أمني عائري، بل هي "مشروع بقاء واستمرارية" للدولة الوطنية. وفي ظل تعاظم المخاطر الإقليمية، يبقى الرهان الأكبر معقوداً على وعي المواطن، وتكريس العدالة الاجتماعية، وترسيخ ثقافة الحوار والتوافق، باعتبارها الحصن الحقيقي الأخير في وجه كل محاولات التفكيك والزعزعة.

الجزائر ومكافحة الانقسام الداخلي | War Era