
خِلَالَ الْفَتْرَةِ الَّتِي قَضَيْتُهَا فِي الْعَمَلِ الْحِزْبِيِّ ، لَمْ أَكْتَفِ بِمُتَابَعَةِ مَا يَحْدُثُ مِنْ بَعِيدٍ ، بَلْ عَايَشْتُ طَرِيقَةَ إِدَارَةِ الْأَحْزَابِ ، وَآلِيَّاتِ اتِّخَاذِ الْقَرَارِ ، وَعَلَاقَةَ الْقِيَادَةِ بِالْأَعْضَاءِ ، وَطَرِيقَةَ التَّعَامُلِ مَعَ الِانْتِخَابَاتِ وَالْمَنَاصِبِ وَالْمَسْؤُولِيَّاتِ.
وَمِنْ خِلَالِ هَذِهِ التَّجْرِبَةِ، أَدْرَكْتُ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْمُشْكِلَاتِ لَا تَبْدَأُ مِنْ سُوءِ النِّيَّةِ ، وَإِنَّمَا مِنْ غِيَابِ نِظَامٍ مُؤَسَّسِيٍّ وَاضِحٍ يُحَدِّدُ الصَّلَاحِيَّاتِ ، وَيُنَظِّمُ الْمَسْؤُولِيَّاتِ ، وَيَمْنَعُ تَحَوُّلَ الْحِزْبِ إِلَى مَسَاحَةٍ يَتَحَكَّمُ فِيهَا الْأَفْرَادُ أَكْثَرَ مِمَّا تَحْكُمُهَا الْقَوَاعِدُ
رَأَيْتُ كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ تُهَمَّشَ الْكِفَاءَاتُ عِنْدَمَا لَا تَكُونُ هُنَاكَ مَعَايِيرُ وَاضِحَةٌ، وَكَيْفَ تَفْقِدُ الِانْتِخَابَاتُ مَعْنَاهَا عِنْدَمَا لَا تَكُونُ الْمُنَافَسَةُ مُتَكَافِئَةً، وَكَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ تَتَحَوَّلَ الْمَنَاصِبُ مِنْ مَسْؤُولِيَّةٍ لِخِدْمَةِ الشعب إِلَى وَسِيلَةٍ لِتَحْقِيقِ النُّفُوذِ وَالْمَصْلَحَةِ الشَّخْصِيَّةِ
وَهُنَا أَدْرَكْتُ أَنَّ تَغْيِيرَ الْأَشْخَاصِ وَحْدَهُ لَا يَكْفِي ؛ لِأَنَّ الْمُشْكِلَةَ سَتَتَكَرَّرُ مَا دَامَتِ الْقَوَاعِدُ نَفْسُهَا لَمْ تَتَغَيَّرْ
وَمِنْ هَذِهِ التَّجْرِبَةِ بَدَأَتْ تَتَشَكَّلُ لَدَيَّ رُؤْيَةٌ أَكْثَرُ وُضُوحًا: إِذَا كَانَ الْهَدَفُ هُوَ خِدْمَةَ الْجَزَائِرِ وَالشَّعْبِ الْجَزَائِرِيِّ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَبْدَأَ ذَلِكَ بِبِنَاءِ مُؤَسَّسَةٍ قَوِيَّةٍ قَبْلَ بِنَاءِ قِيَادَةٍ قَوِيَّةٍ
مُؤَسَّسَةٌ يَكُونُ لَهَا نِظَامٌ وَاضِحٌ، وَصَلَاحِيَّاتٌ مُحَدَّدَةٌ، وَمُحَاسَبَةٌ حَقِيقِيَّةٌ، وَمَسَاحَةٌ عَادِلَةٌ لِلْمُشَارَكَةِ، وَتَكُونُ فِيهَا الْكِفَاءَةُ أَسَاسًا لِلْمَسْؤُولِيَّةِ، وَلَا يَكُونُ فِيهَا الْمَنْصِبُ مِلْكًا لِصَاحِبِهِ.
لِهَذَا ، فَالْفِكْرَةُ الَّتِي أَعْمَلُ عَلَيْهَا لَيْسَتْ مُجَرَّدَ إِنْشَاءِ حِزْبٍ جَدِيدٍ، بَلْ مُحَاوَلَةٌ لِبِنَاءِ نَمُوذَجٍ حِزْبِيٍّ أَكْثَرَ تَنْظِيمًا وَوُضُوحًا؛ نَمُوذَجٍ تَكُونُ فِيهِ الْمُؤَسَّسَةُ قَادِرَةً عَلَى الِاسْتِمْرَارِ دُونَ أَنْ تَتَوَقَّفَ عَلَى شَخْصٍ أَوْ مَجْمُوعَةٍ، وَتَبْقَى فِيهِ الْمَصْلَحَةُ الْوَطَنِيَّةُ فَوْقَ أَيِّ مَصْلَحَةٍ أُخْرَى.
هَذِهِ لَيْسَتْ لَحْظَةَ إِعْلَانٍ، بَلْ خُلَاصَةُ تَجْرِبَةٍ تَحَوَّلَتْ إِلَى مَشْرُوعٍ.
وَحِينَ يَكْتَمِلُ هَذَا الْمَشْرُوعُ، سَتَتَعَرَّفُونَ عَلَى نِظَامٍ صُمِّمَ مِنَ الْبِدَايَةِ لِيَحْمِيَ الْمُؤَسَّسَةَ، وَيَصُونَ إِرَادَةَ أَعْضَائِهَا، وَيَجْعَلَ خِدْمَةَ الْجَزَائِرِ وَالشَّعْبِ الْجَزَائِرِيِّ غَايَتَهُ الْأُولَى
... كُونُوا عَلَى قُرْبٍ ☆
《 فَالْقَادِمُ لَيْسَ مُجَرَّدَ حِزْبٍ ، بَلْ نِظَامٌ بُنِيَ مِنْ دُرُوسِ الْوَاقِعِ 》
شكرا لكم على القراءة
BDI ISLEM - ZIRI DZ