في كل يوم يمر على الانسان نعم كثيرة لا يلتفت اليها ومن اعظم هذه النعم ان الله يستر عليه عيوبه وذنوبه ولا يفضحه بها امام الناس قد يخطئ الانسان في السر ثم يصبح في اليوم التالي والناس ما زالوا يرونه بصورة حسنة وقد يقع في ذنب يعلم ان انكشافه قد يغير نظرة الناس اليه تماما ومع ذلك يستره الله وهذا الستر لا يعني ان الله لا يعلم ما فعل العبد فالله يعلم السر واخفى قال الله تعالى ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ سورة ق فالعبد قد يختبئ عن الناس لكنه لا يختبئ عن الله ومع ذلك قد يستر الله عليه ولا يفضحه وهنا تظهر عظمة رحمة الله
من رحمة الله بعباده انه لا يعاملهم دائما بما يستحقون من العقوبة الفورية بل يمهلهم ويفتح لهم ابواب التوبة ويرسل لهم من الفرص ما يمكنهم من الرجوع اليه قال الله تعالى ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَٰكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ سورة فاطر وهذه الاية تجعل الانسان يعيد التفكير في حياته كم مرة اخطأنا ثم مرت الايام دون ان يحدث لنا ما كنا نستحقه بسبب اخطائنا وكم مرة عصينا ثم وجدنا ابوابا جديدة للرجوع وكم مرة كان من الممكن ان ينكشف امرنا ثم سترنا الله فالستر ليس شيئا بسيطا بل هو من نعم الله على عبده
من اعظم ما يدل على رحمة الله ان باب التوبة مفتوح امام العبد قال الله تعالى ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ سورة الزمر تأمل كيف خاطب الله الذين اسرفوا على انفسهم فلم يغلق في وجوههم باب الرحمة ولم يقل لهم انكم اخطأتم كثيرا ولا سبيل لكم الى الرجوع بل نهاهم عن القنوط من رحمته وهذا يعلمنا ان كثرة الذنوب لا ينبغي ان تدفع الانسان الى اليأس بل ينبغي ان تدفعه الى التوبة والرجوع الى الله
وهنا يجب ان ينتبه الانسان الى امر مهم وهو ان ستر الله عليه لا يعني ان يستمر في الذنب فقد يظن بعض الناس ان عدم نزول العقوبة يعني ان ما يفعله لا مشكلة فيه وهذا فهم خاطئ فالامهال ليس دائما دليلا على الرضا والنجاة من العقوبة العاجلة لا تعني ان الانسان على الطريق الصحيح قال الله تعالى ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ سورة آل عمران ولهذا لا تجعل تأخر العقوبة سببا للاغترار بل اجعل الستر والامهال فرصة للرجوع الى الله
بعض الناس يؤجلون التوبة حتى يصبحوا صالحين وهذا عكس الطريق الصحيح انت لا تتوب بعد ان تصبح صالحا بل تتوب حتى تصبح صالحا قال الله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ سورة البقرة فالانسان قد يضعف ثم يتوب وقد يخطئ ثم يندم وقد يسقط ثم يقوم والعبرة الا يصر على الذنب وان يستمر في مقاومة نفسه والرجوع الى الله
اذا شعرت ان الله ستر عليك رغم تقصيرك فلا تكتف بالشعور بل حول هذا الشعور الى عمل استغفر الله واترك الذنب وحافظ على الصلاة وارجع الى الله واصلح ما تستطيع اصلاحه ولا تتحدث عن معاصيك امام الناس واعلم ان اعظم رد للنعمة هو شكر صاحبها قال الله تعالى ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ سورة ابراهيم
اذا سترك الله فلا تغتر واذا امهلك فلا تأمن واذا رزقك فرصة للتوبة فلا تؤجل واذا رأيت من نفسك تقصيرا فلا تقل لقد انتهيت بل قل ما زال باب الله مفتوحا فالعبد مهما اخطأ يستطيع ان يرجع ومهما قصر يستطيع ان يتوب ومهما ابتعد يستطيع ان يعود وربما كان اعظم دليل على رحمة الله بك انك ما زلت تملك اليوم فرصة تقول فيها بصدق يا رب اغفر لي يا رب اصلحني يا رب لا تكلني الى نفسي يا رب استرني في الدنيا والاخرة وتذكر دائما ان ستر الله عليك ليس دعوة للاستمرار في الذنب بل فرصة حتى تعود اليه قبل ان يأتي يوم لا تنفع فيه الفرص قال الله تعالى ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ سورة النور
هذا العمل لوجه الله ولا نطلب منكم تبرعا فإن اعجبكم المحتوى ووجدتم فيه فائدة فساعدوا المقال بنشره والاعجاب به حتى يصل الخير الى غيركم