متى تنتهي خيانة الأعراب؟

STORMIQ14 سبتمبر 2026politics

منذ عقود، ظل سؤالٌ ثقيل يتكرر في الذاكرة العراقية والعربية: متى تنتهي الخيانات؟ ومتى تتوقف الدول عن بيع مواقفها لمن يدفع أكثر أو يملك نفوذًا أكبر؟

قد تكون كلمة «الخيانة» قاسية، وربما تكون أحيانًا غير دقيقة سياسيًا، لأن العلاقات بين الدول لا تُبنى على الصداقة وحدها، بل على المصالح والأمن والاقتصاد والنفوذ. لكن المواطن الذي يرى بلدًا عربيًا يقف مع خصوم بلده في أصعب لحظاته، أو يرى مواقف تتغير بمجرد تغير المصالح، من الطبيعي أن يشعر بأن ما يحدث ليس مجرد «سياسة»، بل خذلان.

العراق… ذاكرة لا تنسى

العراق لم يكن يومًا بلدًا هامشيًا في المنطقة. كان لاعبًا رئيسيًا في التاريخ والسياسة والاقتصاد العربي، وتحمل أعباءً وحروبًا وأزمات كان لها أثر مباشر على المنطقة بأكملها.

ومع ذلك، شهد العراقيون خلال العقود الماضية مواقف عربية متباينة تجاه بلدهم؛ دول وقفت إلى جانبه في مراحل، وأخرى اتخذت مواقف معادية أو صامتة، بينما فضّلت دول أخرى حساباتها الخاصة.

وهنا تظهر المشكلة الحقيقية:

هل كان العراق حليفًا عندما كانت الحاجة إليه موجودة، ثم أصبح عبئًا عندما تغيرت موازين القوى؟

هذا السؤال لا يمكن الإجابة عنه بشعارات، بل يحتاج إلى قراءة هادئة للتاريخ.

السياسة لا تعرف الأصدقاء الدائمين

من الأخطاء أن نتعامل مع الدول وكأنها أشخاص تجمعهم الصداقة والعداوة إلى الأبد.

الدول تتحرك وفق مصالحها.

قد يكون الحليف اليوم خصمًا غدًا، وقد تتحول دولة كانت معادية إلى شريك اقتصادي وسياسي. وهذا أمر طبيعي في العلاقات الدولية.

لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول المصلحة السياسية إلى تبرير لكل شيء.

فالسياسة الواقعية لا تعني التخلي عن المبادئ بالكامل، ولا تعني أن تقف دولة ضد جارتها أو شعبها لمجرد الحصول على مكسب مؤقت.

هل المشكلة في «العرب»؟

ربما علينا أن نعيد صياغة السؤال.

بدل أن نقول: «متى تنتهي خيانة الأعراب؟»

قد يكون السؤال الأكثر دقة:

متى تنتهي سياسة الدول التي ترى مصالحها فوق مصالح شعوب المنطقة؟

فالعربي في العراق ليس مسؤولًا عن قرار حكومة عربية، والعربي في سوريا أو الأردن أو مصر أو الخليج ليس بالضرورة مؤيدًا لمواقف حكومته.

الشعوب غالبًا تدفع ثمن قرارات السياسيين، وقد تكون هي نفسها ضحية تلك السياسات.

لذلك فإن تحميل ملايين البشر مسؤولية قرارات أنظمة وحكومات ليس عدلًا، كما أنه لا يساعد على فهم المشكلة.

من الخيانة إلى الوعي

ربما لن تنتهي سياسة المصالح.

وربما لن يأتي اليوم الذي تصبح فيه جميع الدول العربية متفقة على موقف واحد.

لكن ما يمكن أن يتغير هو طريقة تعاملنا مع الآخرين.

لا ينبغي للعراق أن ينتظر من الآخرين أن يحموا مصالحه بدلًا عنه.

الدولة القوية هي التي تبني اقتصادًا قويًا، ومؤسسات مستقرة، وجيشًا محترفًا، وعلاقات متوازنة مع الجميع.

عندها لن تكون بحاجة إلى صديق دائم، ولن تخشى عدوًا مؤقتًا.

العراق أولًا… ولكن دون كراهية

الدفاع عن العراق لا يحتاج إلى كراهية العرب.

يمكن للعراقي أن ينتقد موقف دولة عربية بشدة، وأن يرفض سياسة حكومة معينة، وأن يتذكر ما حدث تاريخيًا، وفي الوقت نفسه يحافظ على احترامه للشعوب العربية.

فالعداء الحقيقي ليس بين الشعوب.

المشكلة في السياسات التي جعلت المنطقة ساحة للصراع والنفوذ وتصفية الحسابات.

وقد آن للعراقيين أن يتعلموا من التاريخ بدل أن يعيشوا أسرى له.

الخاتمة

متى تنتهي «خيانة الأعراب»؟

ربما لن تنتهي، لأن الدول ستظل تبحث عن مصالحها.

لكنها تصبح أقل تأثيرًا عندما يصبح العراق أكثر قوة واستقلالًا وقدرة على اتخاذ قراراته بنفسه.

فالدول لا تحترم الضعيف لأنه طيب، ولا تخشى القوي لأنه شرير.

إنها تحترم من يملك القوة والقرار والقدرة على حماية مصالحه.

ولهذا، ربما يكون السؤال الأهم ليس:

«متى يتوقف الآخرون عن خذلاننا؟»

بل:

«متى نبني عراقًا لا يستطيع الآخرون ابتزازه أو استخدامه أو تقرير مستقبله نيابةً عنه؟»

عندما نصل إلى تلك المرحلة، لن يكون السؤال عن الخيانة هو السؤال الأهم.

لأن العراق القوي لا ينتظر الوفاء من أحد…

بل يفرض احترامه على الجميع.

متى تنتهي خيانة الأعراب؟ | War Era