أما بعد،
في الفترة الأخيرة، بدأت أتابع بشكل أكبر القوانين والقرارات التي تمر عبر الكونجرس المصري، ليس بهدف مهاجمة الحكومة، ولا التشكيك في قرارات بعينها، ولكن بدافع بسيط جدًا:
عايز أفهم: هل النظام التشريعي في مصر بيشتغل بالشكل المفروض؟
وبعد متابعة عدد كبير من القوانين والتصويتات، ظهرت أمامي أرقام تستحق أن نقف عندها.
الأرقام وحدها لا تتهم أحدًا، لكنها أحيانًا تطرح أسئلة لا يصح تجاهلها.
خلال الشهر الماضي، تم تمرير أو طرح حوالي 90 قانونًا داخل الكونجرس.
ومن بين هذه القوانين:
15 قانونًا تم رفضها.
أي أن حوالي 75 قانونًا تم قبولها، وفقًا للعدد التقريبي الإجمالي.
وظهر الامتناع عن التصويت في 15 قانونًا أيضًا.
لكن هنا تبدأ الملاحظة المهمة.
في أغلب حالات الامتناع، لم يكن العدد كبيرًا؛ غالبًا كان صوتًا واحدًا أو صوتين فقط.
والحالات التي ظهر فيها أكثر من أربعة أصوات امتناع كانت محدودة جدًا: 3 حالات فقط، منها حالتان انتهتا بالقبول وحالة واحدة بالرفض.
إذن، وجود الامتناع أو الاختلاف ليس معدومًا.
لكنه نادر ومحدود للغاية مقارنة بحجم العملية التشريعية خلال الشهر.
وهنا النقطة التي لفتت انتباهي أكثر من غيرها.
الكونجرس يضم حاليًا حوالي 34 عضوًا.
وفي انتخابات شهر أغسطس كان هناك 38 مقعدًا، ثم أصبح العدد الفعلي حوالي 34 نتيجة تغيّر بعض الأعضاء أو اختفائهم من الكونجرس لأسباب مختلفة.
لكن عند النظر إلى سجلات التصويت خلال الشهر الماضي، نجد أن عدد المشاركين في أغلب القوانين كان يدور في نطاق:
والرقم الذي يتكرر بصورة واضحة هو:
أي أن العملية التشريعية في كثير من الحالات لا يشارك فيها كامل أعضاء الكونجرس، بل تدور غالبًا حول مجموعة تقارب 20 عضوًا.
وبالطبع، أنا لا أقول إن كل عضو لم يظهر في التصويت كان مهملًا أو غير مهتم.
قد تكون هناك أسباب مختلفة لعدم المشاركة، والبيانات التي أمامي لا تسمح لي بالحكم على سبب غياب كل عضو.
لكن السؤال يظل قائمًا:
إذا كان لدينا 34 عضوًا في الكونجرس، فلماذا يكون عدد المشاركين في أغلب التصويتات أقل بكثير من العدد الكلي؟
قد يقول أحدهم:
"وإيه المشكلة؟ طالما القانون بيتم التصويت عليه، خلاص."
وهنا أنا أختلف.
لأن وظيفة الكونجرس ليست مجرد أن يكون لدينا عدد من الأشخاص يضغطون على زر "موافقة" أو "رفض".
الكونجرس يفترض أن يكون مساحة للنقاش، وتبادل الآراء، ومراجعة القرارات، وتمثيل توجهات مختلفة داخل الدولة.
فإذا كان لدينا 34 عضوًا، لكن المشاركة الفعلية في أغلب القوانين تدور حول 20 عضوًا، فهناك جزء كبير من التمثيل السياسي لا يظهر في عملية التصويت نفسها.
وهنا يجب أن نسأل:
هل آلية العمل الحالية تشجع أعضاء الكونجرس على المشاركة بشكل كافٍ؟
ولو كانت الإجابة لا، فهذه ليست مشكلة حزب بعينه.
وليست مشكلة الحكومة الحالية.
هذه مشكلة في النظام نفسه.
هنا ظهرت ملاحظة أخرى.
خلال الشهر الماضي، لم تكن القوانين المرفوضة كثيرة؛ 15 قانونًا فقط من حوالي 90 قانونًا.
لكن الأكثر لفتًا للنظر أن القوانين، سواء التي انتهت بالقبول أو الرفض، كانت في الغالب تُحسم بأغلبية كبيرة جدًا.
أي أن التصويت المتقارب أو الذي يقترب من نسبة 50/50 كان نادرًا.
بمعنى آخر، نحن لا نتحدث فقط عن أن أغلب القوانين تمر.
بل نتحدث أيضًا عن أن الاختلاف الحاد داخل التصويت نفسه يبدو نادرًا.
وهذا يجعل السؤال أكبر:
هل أعضاء الكونجرس متفقون فعلًا إلى هذه الدرجة؟
إذا كان الأمر كذلك، فهذا شيء جيد من حيث المبدأ.
لا توجد مشكلة في أن يتفق الناس عندما يكون القرار صحيحًا.
لكن عندما تصبح الأغلبية الساحقة هي النمط المتكرر في عدد كبير من القوانين، فمن الطبيعي أن نسأل:
هل لدينا بالفعل نقاش سياسي واسع قبل التصويت، أم أن جزءًا من العملية التشريعية أصبح مجرد اعتماد لما تم الاتفاق عليه مسبقًا؟
وهنا أنا لا أملك دليلًا يثبت الاحتمال الثاني.
ولذلك لن أدّعيه.
أنا فقط أطرح السؤال الذي تفرضه الأرقام.
خلينا نكون منصفين.
أنا لا أقول إن القانون الجيد يجب أن يواجه معارضة.
ولا أقول إن وجود نسبة موافقة 90% أو 100% يعني أن هناك تلاعبًا.
على العكس، قد يكون هناك قانون ممتاز، ومن الطبيعي أن يتفق عليه الجميع.
كما أن بعض القوانين والقرارات قد تكون واضحة جدًا ولا تحتاج إلى انقسام سياسي كبير.
إذن المشكلة ليست في الإجماع نفسه.
المشكلة تبدأ عندما يصبح:
ارتفاع المشاركة المنخفضة + الأغلبية الساحقة + تكرار نفس النمط
ظاهرة مستمرة تستحق أن نسأل عن أسبابها.
لأن البرلمان الصحي لا يُقاس فقط بعدد القوانين التي مررها.
بل أيضًا بمدى مشاركة أعضائه، وتنوع الآراء داخله، وقدرته على النقاش والمراجعة والاعتراض.
لا.
وأنا أريد أن أوضح هذه النقطة بشكل صريح.
هذا المقال ليس هجومًا على الحكومة الحالية.
الحكومة قد تتخذ قرارات صحيحة، وقد تتخذ قرارات نختلف معها حولها.
لكن أصلًا الحكومة ليست هي محور هذه المشكلة.
أنا أتحدث عن النظام التشريعي نفسه.
لأن حتى لو كانت أفضل حكومة في تاريخ مصر، سيظل من المهم أن يكون لدينا كونجرس نشط وفعّال ومستقل في عملية النقاش والتصويت.
وبالمثل، لو تغيرت الحكومة غدًا، ستظل نفس المشكلة قائمة إذا لم يتغير النظام.
أنا لا أطالب بإسقاط أحد.
ولا أطالب بإلغاء نتيجة انتخابات.
ولا أطالب بأن يعارض أعضاء الكونجرس الحكومة في كل قانون.
المطلوب أبسط من ذلك:
إذا كان لدينا 34 عضوًا، فمن الطبيعي أن نريد أن نرى أكبر عدد ممكن منهم يشارك في التشريع.
من شارك؟
من لم يشارك؟
من امتنع؟
وما هي النسبة الفعلية للمشاركة من إجمالي أعضاء الكونجرس؟
كلما كانت هذه المعلومات أوضح، أصبح تقييم أداء الكونجرس أكثر عدلًا.
مش معنى إن الحكومة قدمت قانونًا إن أعضاء الكونجرس لازم يوافقوا عليه.
ومش معنى إن شخصًا عارض قانونًا إنه أصبح ضد الدولة.
الاختلاف السياسي جزء طبيعي من أي نظام سياسي صحي.
أنا لا أقول إن الـ34 عضوًا سيئون.
ولا أقول إن الحكومة سيئة.
ولا أقول إن القوانين التي تم تمريرها خاطئة.
ولا أملك، من هذه الأرقام وحدها، أن أتهم أحدًا بالتقصير أو التلاعب.
لكن عندي مجموعة أرقام:
حوالي 90 قانونًا خلال شهر.
15 قانونًا مرفوضًا.
15 قانونًا ظهر فيها امتناع.
المشاركة في أغلب التصويتات تدور بين 18 و22 عضوًا.
والرقم الأكثر تكرارًا حوالي 20 عضوًا، رغم وجود حوالي 34 عضوًا في الكونجرس.
والقرارات غالبًا تُحسم بأغلبية ساحقة، سواء بالقبول أو الرفض.
هذه ليست اتهامات.
هذه ملاحظات.
لكن الملاحظات الجادة يجب أن تقود إلى أسئلة جادة.
وأنا أرى أن الوقت قد حان لكي نسأل:
هل تصميم الكونجرس الحالي يضمن فعلًا مشاركة وتمثيلًا سياسيًا كافيًا؟
هل يجب أن تكون هناك آليات أقوى لضمان مشاركة أعضاء الكونجرس؟
وهل نحتاج إلى إعادة النظر في طريقة عمل السلطة التشريعية داخل مصر؟
لأننا لا نبني نظامًا سياسيًا جيدًا من أجل الحكومة الموجودة اليوم فقط.
نحن نبنيه من أجل كل الحكومات التي ستأتي بعدها.
وقد أكون مخطئًا في تفسير بعض هذه الأرقام، ولذلك أنا مستعد تمامًا للنقاش.
لكن إذا كانت هناك مشكلة فعلًا في النظام، فالأفضل أن نعترف بها ونصلحها الآن، بدل أن ننتظر حتى تصبح أكبر.
أخوكم،
أبو دجانة
