
هذه الأزمة لم تكشف فقط مشكلة في قرار الحرب ، بل كشفت شيئًا أخطر : خللًا في طريقة صناعة القرار ، وانهيارًا في التنسيق ، وضبابيةً في المسؤولية ، ثم سباقًا سياسيًا لإعادة كتابة ما حدث بما يخدم صورة كل طرف
الواقعة واضحة : تم تفعيل المقاومة الشعبية دون تنسيق معلن مع الحكومة الحالية
والنتيجة لم تكن مجرد معركة داخلية عابرة ؛ بل استنزاف للموارد خسائر اقتصادية ، وتوسع في دائرة الحرب إلى خارج الحدود ، بعدما دخل حلفاء الجزائر وهم يتعاملون مع التحرك باعتباره مدعومًا من الدولة
هنا لا تكفي عبارة : الحرب عادية والمشاركة اختيارية
هذه إجابة على سؤال لم يطرحه أحد
المشكلة ليست في كون المشاركة إجبارية أو اختيارية
المشكلة هي : من اتخذ قرار فتح هذه الجبهة ؟
ومن أعطاه الحق في تعريض موارد الدولة وحلفائها لهذا المسار دون تنسيق واضح ؟
ثم يأتي السؤال الأكثر إحراجًا : أين كان مجلس حزب الثورة الإسلاميةالجزائرية ؟
إذا كان المجلس يعلم ووافق ، فالمسؤولية ليست مسؤولية شخص أو ممثل واحد ؛ بل مسؤولية سياسية ومؤسساتية مشتركة
وإذا كان المجلس لا يعلم ، فالكارثة أكبر لحزب يملك مشروعًا لإدارة دولة ، لكنه لا يستطيع ضمان الرقابة الداخلية على قرار قادر على إشعال حرب
وفي الحالتين ، هناك فشل مؤسسي لا يمكن دفنه تحت شعار المقاومة
المقاومة لا تمنح أحدًا حصانة من المساءلة
لكن من الخطأ أيضًا تحويل حزب الثورة الإسلامية إلى كبش فداء وحيد
فالحكومة لم تكن خارج المشهد
بحسب ما ظهر أثناء الأزمة ، وُضعت شارة الهجوم ودعم للمقاومة بدل أن تظهر الدولة موقفًا واضحًا يطلب التنسيق أو يوقف التصعيد
فأين كانت الرئاسة؟
أين كانت وزارة الخارجية؟
أين كانت وزارة الدفاع؟
أين البيان الرسمي الذي يوضح للحلفاء والخصوم والشعب : من يتحدث باسم الجزائر ؟ ومن يملك قرار الحرب ؟
الأسوأ أن الحكومة ، بعد انتهاء الأزمة ، اتجهت إلى وصف حزب الثورة الإسلامية الجزائرية بالانفصالي
وهنا يظهر التناقض الذي لا يمكن تجاوزه بسهولة
إذا كان حزب الثورة الإسلامية انفصاليًا وخارجًا عن الدولة ، فلماذا لم يكن موقف الحكومة واضحًا منذ البداية؟ ولماذا ظهر دعم للمقاومة أثناء الحرب؟
وإذا كانت المقاومة تستحق الدعم ، فلماذا أصبح صاحبها فجأة خطرًا على وحدة الدولة بعد انتهاء المعركة؟
هذا ليس تفصيلًا سياسيًا صغيرًا
هذه فجوة في الخطاب الرسمي تحتاج تفسيرًا مؤسساتيًا، لا حملة شعارات
في الأزمات الكبرى ، لا يكفي أن تكون السلطة موجودة على الورق
الرئاسة مطالبة بتحديد الاتجاه السياسي، والخارجية مطالبة بضبط الرسالة مع الحلفاء، والدفاع مطالب بتوضيح الإطار العسكري
أما ترك الساحة للغموض، ثم الظهور بعد انتهاء الأزمة لتحديد من كان مخطئًا ، فهو إدارة للأزمة بأثر رجعي ، وليس إدارة للأزمة أثناء وقوعها
الدولة لا تُدار بمنطق
دعهم يتحركون ، ثم نقرر لاحقًا من المسؤول
الدولة تُدار بمنطق مختلف
قرار واضح ، مسؤولية واضحة ، اتصال واضح ، ومحاسبة واضحة
المشهد بعد الحرب أصبح أكثر غرابة
طرف يريد أن يقول : حزب الثورة الإسلامية الجزائرية انفصالي ، إذن كل المشكلة فيه
وطرف آخر يريد أن يقول : الحرب أثبتت أن اللاعبين كانوا جاهزين عسكريًا ، وأن الحكومة لا تريد تحرير البلاد
كل رواية تأخذ قطعة من الحقيقة وتدفن القطعة التي تدين صاحبها لكن الحقيقة أبسط من كل هذا التلميع
فشل حزب الثورة الإسلامية الجزائرية لا يمحو فشل الحكومة وفشل الحكومة لا يمحو خطأ الحزب
من يحاول تحميل طرف واحد كامل الكارثة ، لا يحلل الأزمة ؛ بل يحاول الهروب من الجزء الذي يخصه منها ومواقف بعض أعضاء الكونغرس لا تغير هذه الحقيقة
الكونغرس ليس بديلًا عن الحكومة ومواقف أعضائه ليست صك براءة لمؤسسات السلطة التنفيذية . كما أن أعضاء مجلس حزب الثورة الإسلامية الجزائرية ليسوا مجرد أسماء على الورق ؛ وجودهم يعني مسؤولية مؤسساتية عن مراقبة القرار السياسي داخل الحزب
لقد كشف دولة بلا تنسيق كافٍ ، وحزبًا اتخذ قرارًا عالي المخاطر دون إطار مؤسسي واضح ، ثم شاهدنا الطرفين يحاولان إعادة توزيع المسؤولية بعد انتهاء الأزمة
الحزب مطالب بأن يجيب عن سؤال بسيط : كيف يريد إدارة دولة إذا كان قرار الحرب يستطيع أن يخرج بهذه الصورة؟
والحكومة مطالبة بسؤال أصعب : كيف تريد إدارة دولة بحجم الجزائر إذا كانت لا تستطيع منع أزمة بهذا الحجم ، ولا توضيح موقفها أثناء حدوثها ، ثم تقدم رواية متماسكة بعدها؟
هذه ليست قضية شعارات
إنها قضية أهلية مؤسساتية ، وانضباط سياسي ، وقدرة على تحمل المسؤولية
والانتخابات القادمة لا ينبغي أن تكون مسابقة في تلميع الصور ، بل لحظة يُنظر فيها إلى السجل الفعلي للأداء، لا إلى الرواية التي كتبها كل طرف عن نفسه بعد انتهاء الأزمة
فالسلطة ليست شارة، والحزب ليس شعارًا، والمقاومة ليست رخصة للفوضى، والحكومة ليست جهة فوق المساءلة
الدولة أكبر من الجميع. ومن لا يستطيع التعامل مع حجم مسؤوليتها ، فعليه أن يواجه السؤال الذي حاولت هذه الأزمة كشفه : هل يملك فعلًا الأدوات المؤسسية لإدارتها؟ بعيدا عن المشاكل و المصالح الشخصية ؟
لا تسمحوا لأحد أن يحوّل فشله إلى مسؤوليتكم
حاسبوا من يخطئ، في الحكومة أو داخل الأحزاب، وادعموا كل من يواجه الفشل بدل تبريره
صوت الشعب ليس للزينة… بل للمحاسبة

إعداد وتحرير: الزيري الجزائري